ـ[مجموع فتاوى فضيلة الشيخ صالح بن فوزان]ـ
المؤلف: صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
عدد الأجزاء: ٢
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

Unknown page

كتاب العقيدة

1 / 7

الله ﷾ في السماء
سؤال: دار نقاش بيني وبين زميل لي في المكتب، حول وجود الله ﷾ في السماء، وهذا الشخص ينفي وجود الله ﷾ في السماء، وأنا أثبته بدليل قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، ولحديث الرسول ﷺ للجارية، «قال لها: أين الله؟ قالت: في السماء»، المطلوب من فضيلتكم توضيح الصواب جزاكم الله خير الجزاء وبارك فيكم؟
الجواب: لا شك أن الله ﷾ في السماء، هذا ما يعتقده المسلمون، وأتباع الرسل قديمًا وحديثًا، فهو محل إجماع في رسالات الله ﷾، وعباده المؤمنون يعتقدون أن الله جل وعلا في السماء، وتضافرت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة بما يزيد على ألف دليل، على علو الله ﷾، وأنه في السماء، وأنه استوى على عرشه ﷾، كما أخبر جل وعلا بذلك، ومن ذلك ما ذكره السائل من قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك: ١٦، ١٧] . وحديث الجارية التي في الصحيح أن النبي ﷺ «قال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها إنها مؤمنة» .
ومعنى كونه في السماء إذا أريد بالسماء العلو ففي الظرفية، وهو أن الله جل وعلا في العلو بائن من خلقه ﷾، عال على مخلوقاته، بائن من خلقه.

1 / 9

وأما إذا أريد بالسماء، السماء المبنية، وهي السبع الطباق، فمعنى: "في": علا في السماء. يعني: على السماء، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١١]، يعني: على الأرض، كما في قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، يعني: على جذوع النخل.
وعلى كل حال الآيات المتضافرة، والأحاديث المتواترة، وإجماع المسلمين، وأتباع الرسل، على أن الله جل وعلا في السماء.
أما من نفى ذلك من الجهمية وأفراخهم وتلاميذهم فإن هذا المذهب باطل وإلحاد في أسماء الله، والله جل وعلا يقول: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] .
فالإلحاد في أسماء الله وصفاته جريمة عظيمة، وهذا الذي ينفي كون الله في السماء، هذا يكذب القرآن، ويكذب السنة، ويكذب إجماع المسلمين، فإن كان عالمًا، فإنه يكفر بذلك، أما إذا كان جاهلًا فإنه يبين له، فإذا أصر بعد البيان، فإنه يكون كافرًا، والعياذ بالله.
***
مراتب الدين الإسلامي
سؤال: يقول الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، ما معنى هذه الآية؟ وهل هناك فرق بين الإيمان والإسلام؟ وما هو؟
الجواب: الدين ثلاث مراتب:
الأولى: الإسلام، وأعلى منها الإيمان، وأعلى منها الإحسان، كما

1 / 10

جاء ذلك في حديث جبريل ﵊، عندما سأل النبي ﷺ عن هذه المراتب وأجابه النبي ﷺ عن كل مرتبة، وفي النهاية قال النبي ﷺ لأصحابه: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم»، وقد ذكرها مرتبة مبتدئًا بالأدنى ثم ما هو أعلى منه ثم ما هو أعلى منه.
فالأعراب لما جاءوا إلى النبي ﷺ في أول دخولهم في الإسلام، ادعوا لأنفسهم مرتبة لم يبلغوها، جاءوا مسلمين وادعوا مرتبة الإيمان، وهي مرتبة لم يبلغوها بعد، ولهذا رد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، فهم في أول أمرهم لم يتمكن الإيمان في قلوبهم، وإن كان عندهم إيمان لكن إيمان ضعيف، أو إيمان قليل.
ويستفاد من قوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾: أنه سيدخل في المستقبل، وليسوا كفارًا أو منافقين بل هم مسلمون، ومعهم شيء من الإيمان، لكنه قليل لم يستحقوا به أن يسموا مؤمنين، ولكن سيتمكن الإيمان في قلوبهم فيما بعد، لقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ .
والإسلام والإيمان إذا ذكرا جميعًا افترقا، وصار للإسلام معنى خاص، وللإيمان معنى خاص، كما في حديث جبريل ﵇، فإنه سأل النبي ﷺ عن الإسلام فقال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت»

1 / 11

«إن استطعت إليه سبيلًا»، وسأله عن الإيمان فقال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» .
فعلى هذا يكون الإسلام: هو الانقياد الظاهري. والإيمان: هو الانقياد الباطني. هذا إذا ذكرا جميعًا.
أما إذا ذكر الإسلام وحده أو ذكر الإيمان وحده، فإنه يدخل أحدهما في الآخر، إذا ذكر الإسلام فقط دخل فيه الإيمان، وإذا ذكر الإيمان فقط دخل فيه الإسلام، ولهذا يقول أهل العلم: إنهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، فالإيمان عند أهل السنة والجماعة: هو قول باللسان، وعمل بالأركان، وتصديق بالجنان - يعني القلب -.
ويدخل فيه بهذا التعريف الإسلام، فيكون قولًا باللسان وعملًا بالأركان وتصديقًا بالجنان، ويدخل فيه الإسلام.
***
أنواع التوحيد
سؤال: نظرًا لعدم معرفتي بأنواع التوحيد وحقيقته ورغبة مني في التجرد من الشرك، لذا أرجو إجابتي على هذا السؤال؟
ما هي أنواع التوحيد مع إيضاح كل نوع منها؟
الجواب: زادك الله رغبة في الخير، والحقيقة أن هذا يدل منك على الاهتمام بعقيدتك، ويجب على كل مسلم أن يهتم بعقيدته؛ لأنها الأساس

1 / 12

الذي ينبني عليه عمله، فالعمل إنما يصح ويثاب عليه بشرطين:
الأول: أن يكون مبنيًا على عقيدة سليمة.
والشرط الثاني: أن يكون موافقًا لما شرعه رسول الله ﷺ.
فاهتمامك بعقيدتك، وحرصك على معرفة أنواع التوحيد هذا يدل على خير، وعلى أنك والحمد لله تريد الحق، وتريد العقيدة الصحيحة، وهذا واجب على كل مسلم.
أما بالنسبة لأنواع التوحيد، فالتوحيد ثلاثة أنواع:
الأول: توحيد الربوبية، ومعناه: إفراد الله تعالى بأفعاله من الخلق والرزق والإحياء والإماتة، والضر والنفع، وغير ذلك من أفعال الله ﷾، فيعتقد المسلم أنه لا شريك له في ربوبيته.
والنوع الثاني: توحيد الألوهية، وهو: إفراد الله تعالى بأنواع العبادة التي شرعها من الصلاة والصيام والحج والزكاة والدعاء والنذر والرغبة والرجاء والخوف والخشية إلى آخر أنواع العبادة، فإفراد الله تعالى فيها يسمى توحيد الألوهية، وهذا النوع هو المطلوب من الخلق.
أما النوع الأول وهو توحيد الربوبية، فالخلق مقرون به، حتى المشركون الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ، مقرون بتوحيد الربوبية، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٦، ٨٧]، إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على أن المشركين

1 / 13

مقرون بتوحيد الربوبية، ولكن المطلوب منهم هو إفراد الله تعالى بالعبادة، إذا أقروا له بتوحيد الربوبية.
والرسل كلهم إنما دعوا إلى توحيد العبادة كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، فكل رسول يدعو قومه إلى توحيد العبادة.
أما توحيد الربوبية فهذا موجود، ومقرون به ولكنه لا يكفي.
والنوع الثالث: توحيد الأسماء والصفات، وذلك بأن نثبت لله ﷿ ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات، وننفي ما نفاه عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله ﷺ من النقائص والعيوب، هذه أنواع التوحيد الثلاثة التي يجب على المسلم معرفتها والاعتناء بها والعمل بها.
***
أنواع الكفر
سؤال: هل للكفر أنواع ودرجات بعضها أعظم من بعض، أم أنه درجة واحدة؟ وإذا كان له درجات، فمن أيها يكون سب الدين أو الرب أو الرسول والعياذ بالله من ذلك؟
الجواب: نعم، الكفر -والعياذ بالله- درجات، بعضه أشد من بعض، منه كفر يخرج من الملة، ومنه كفر دون ذلك، كفر أصغر، وسب الدين أو سب الله أو رسوله، هذا من الكفر الأكبر المخرج من الملة - والعياذ بالله -.
وأما الكفر الأصغر فمثل قوله ﷺ: «سباب المسلم فسوق، وقتاله»

1 / 14

«كفر»، وقوله ﷺ: «لا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض»، فهذا من الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة، فقتل النفس جريمة عظيمة، وإثم كبير ومحرم عظيم لكنه لا يصل إلى درجة الكفر المخرج من الملة.
***
أنواع الشرك
سؤال: ما أنواع الشرك؟
الجواب: الشرك: هو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، كالذبح لغير الله، والنذر لغير الله، ودعاء غير الله، والاستغاثة بغير الله، كما يفعل بعض القبوريين اليوم عند الأضرحة، من مناداة الأموات لقضاء الحاجات وتفريج الكربات من الموتى والطواف بأضرحتهم وذبح القرابين عندها تقربًا إليهم والنذر إليهم، وما أشبه ذلك.
هذا هو الشرك الأكبر؛ لأنه صرف العبادة لغير الله ﷾، والله جل وعلا يقول: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، ويقول جل وعلا: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، ويقول جل وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، والآيات في هذا الموضوع كثيرة.

1 / 15

والشرك أنواع:
النوع الأول: شرك أكبر يخرج من الملة، وهو الذي ذكرنا، أن يصرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله، كأن يذبح لغير الله، أو ينذر لغير الله، أو يدعو غير الله، أو يستغيث بغير الله، فهذا شرك أكبر، يخرج من الملة، وفاعله خالد مخلد في نار جهنم إذا مات عليه، ولم يتب إلى الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢] .
وهذا لا يغفره الله ﷿، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦] .
والنوع الثاني: شرك أصغر لا يخرج من الملة، لكن خطره عظيم، وهو أيضًا لا يغفر إلا بالتوبة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، فهذا يشمل الشرك الأكبر، والشرك الأصغر.
والشرك الأصغر: مثل: الحلف بغير الله، ومثل: قول: ما شاء الله وشئت، بأن تعطف مشيئة المخلوق على مشيئة الخالق بالواو، والصواب أن تقول: ما شاء الله ثم شئت، ومثل: قول: لولا الله وأنت، وما أشبه ذلك.
فهذا شرك في الألفاظ ويسمى شركًا أصغر.
وكذلك الرياء شرك أصغر، وهو شرك خفي لأنه من أعمال القلوب ولا ينطق به، ولا يظهر على عمل الجوارح ولا يظهر على اللسان، إنما هو شيء في القلوب لا يعلمه إلا الله.
إذا فالشرك على ثلاثة أنواع: شرك أكبر، وشرك أصغر، وشرك خفي

1 / 16