* بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

تبارك الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ، ورقاه في مراتب البلاغة إلى مقام لو اجتمعت الجن والإنس على معارضته لم يقدروا ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. فسبحان من أوضح لنا به معالم الدين ، وأبان بمشارق أنواره مناهج الأدلة للمجتهدين. أحمده سبحانه وتعالى وأشكره ، وأستعينه وأستغفره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، الملك الحق المبين. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين ، بملة حنيفية ، وشرعة قويمة علية ، وعلى آله وأصحابه الذين عرفوا مقاصد التنزيل فحصلوه ، وأسسوا قواعده وفصلوه ، وجالت أفكارهم في آياته ، واعملوا الجد في تحقيق مبادئه وغاياته ، وعلى من اقتفى أثرهم ، ممن لا يزالون ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم.

أما بعد ، فإن أكرم ما تمتد إليه أعناق الهمم ، وأعظم ما تتنافس فيه الأمم ، العلم الذي هو حياة القلب ، وصحة اللب ؛ وأجل أصنافه وأرفعها ، وأكمل معالمه وأنفعها ، هي العلوم الشرعية ، والمعارف الدينية. إذ بها انتظام صلاح العباد ، واغتنام الفلاح في المعاد. وعلم التفسير ، من بينها ، أعلاها شأنا ، وأقواها برهانا ، وأوثقها بنيانا ، وأوضحها تبيانا. فإنه مأخذها وأساسها ، وإليه يستند اقتناصها واقتباسها ، بل هو ، كما وصف به ، رئيسها ورأسها. كيف لا وموضوعه ، وهو الكتاب المجيد ، كلية الشريعة ، وعمدة الملة ، وينبوع الحكمة ، وآية الرسالة ، ونور الأبصار والبصائر. وإنه لا طريق إلى الله سواه ، ولا نجاة بغيره ، ولا تمسك بشيء يخالفه. فلا جرم ، لزم من رام الاطلاع على كليات الشريعة الغراء ، وطمع في إدراك مقاصدها واللحاق بأهلها النجباء ، أن يتخذه سميره وأنيسه ، ويجعله على المدى ، نظرا وعملا ، جليسه. فيوشك أن يفوز بالبغية ، ويظفر بالطلبة ، ويجد نفسه من السابقين ، وفي الرعيل الأول

Page 3

المهتدين ، ويشرق في قلبه نور الإيقان ، وتطلع في بصيرته شمس العرفان ، ويتبوأ في الدنيا والآخرة مكانا عليا ، وتدرج النبوة بين جنبيه وإن لم يكن نبيا.

وإني كنت حركت الهمة إلى تحصيل ما فيه من الفنون ، والاكتحال بإثمد مطالبه لتنوير العيون ، فأكببت على النظر فيه ، وشغفت بتدبر لآلئ عقوده ودراريه . وتصفحت ما قدر لي من تفاسير السابقين ، وتعرفت ، حين درست ، ما تخللها من الغث والسمين. ورأيت كلا ، بقدر وسعه ، حام حول مقاصده. وبمقدار طاقته ، جال في ميدان دلائله وشواهده. وبعد أن صرفت في الكشف عن حقائقه شطرا من عمري. ووقفت على الفحص عن دقائقه قدرا من دهري. أردت أن أنخرط في سلك مفسريه الأكابر. قبل أن تبلى السرائر وتفنى العناصر. وأكون بخدمته موسوما ، وفي حملته منظوما. فشحذت كليل العزم ، وأيقظت نائم الهم. واستخرت الله تعالى في تقرير قواعده ، وتفسير مقاصده. في كتاب اسمه بعون الله الجليل : «محاسن التأويل» ، أودعه ما صفا من التحقيقات ، وأوشحه بمباحث هي المهمات. وأوضح فيه خزائن الأسرار. وأنقد فيه نتائج الأفكار ، وأسوق إليه فوائد التقطتها من تفاسير السلف الغابر. وفرائد عثرت عليها في غضون الدفاتر. وزوائد استنبطتها بفكري القاصر. مما قادني الدليل إليه. وقوي اعتمادي عليه. وسيحمد السابح في لججه ، والسانح في حججه ، ما أودعته من نفائسه الغريبة البرهان ، وأوردته من أحاديثه الصحاح والحسان ، وبدائعه الباهرة للأذهان ، فإنها لباب اللباب ، ومهتدى أولي الألباب. ولم أطل ذيول الأبحاث بغرائب التدقيقات ، بل اخترت حسن الإيجاز في حل المشكلات. اللهم إلا إذا قابلت فرسان مضمار الحق جولة الباطلات ، فهنالك تصوب أسنة البراهين نحو نحور الشبهات.

ولا يخفى أن من القضايا المسلمة ، والمقدمات الضرورية ، أنه مهما تأنق الخبير في تحبير دقائقه السمية ، فما هو إلا كالشرح لشذرة من معانيه الظاهرة ، وكالكشف للمعة يسيرة من أنواره الباهرة ، إذ لا قدرة لأحد على استيفاء جميع ما اشتمل عليه الكتاب ، وما تضمنه من لباب اللباب ، لأنه منطو على أسرار مصونة ، وجواهر حكم مكنونة ؛ لا يكشفها بالتحقيق إلا من اجتباه مولاه ، ولا تتبين حقائقها إلا بالتلقى عن خيرته ومصطفاه.

Page 4

هذا وقد حليت طليعته بتمهيد خطير ، في مصطلح التفسير. وهي قواعد فائقة ، وفوائد شائقة ، جعلتها مفتاحا لمغلق بابه ، ومسلكا لتسهيل خوض عبابه ، تعين المفسر على حقائقه ، وتطلعه على بعض أسراره ودقائقه.

فدونك أيها الباحث عن مطالب أعلى العلوم ، التائق لأسنى نتائج الفهوم ، المتعطش إلى أحلى موارده ، المنقب عن مصادر مقاصده ، ينبوعا لمعاني الفرقان ، وعقدا ضم درر التبيان ، وقف بك من الطريق السابلة على الظهر ، وخطب لك عرائس الحكم ثم وهب لك المهر ، فقدم قدم عزمك فإذا أنت بحول الله قد وصلت ، وأقبل على ما قبلك منه فها أنت قد فزت بما حصلت. وفارق وهد التقليد راقيا إلى يفاع الاستبصار ، وتسنم أوج التحقيق في مطالع الأنظار. والبس التقوى شعارا ، والاتصاف بالإنصاف دثارا. واجعل طلب الحق لك نحلة ، والاعتراف به لأهله ملة. ولا ترد مشرع العصبية ، ولا تأنف من الإذعان إذا لاح وجه القضية ، أنفة ذوي النفوس العصية. فذلك مرعى لسوامها وبيل ، وصدود عن سواء السبيل.

وكان شروعي في هذه النية الحميدة ، بعد استخارته تعالى أياما عديدة ؛ في العشر الأول من شوال في الحول السادس عشر بعد الثلاثمائة وألف. نفعنا الله بما يجري منه على يدينا ، ولا جعله حجة علينا ، ونحن نستغفر الله مما تعاطيناه من الأمر العظيم ، واقتحمناه من الخطر الجسيم ، ونستعيذ به من الوقوع في حبائل العدو الرجيم ، ونسأله توفيقا يقف بنا على جادة الاستقامة ، ويصرفنا عن عمل ما يعقبه ملام أو ندامة ، ونرجو من فضله تعالى حياة طيبة وعزما تنحط من دونه المصاعب ، وعونا على إكمال هذا المأرب تبيض به وجوه المطالب. وهداية قدسية إلى الطريقة المثلى ، وعناية لدنية نقوى بها على تأييد كلمة الحق الفضلى ، فهو ولي الأنعام ، في البدء والختام.

Page 5

تمهيد خطير في قواعد التفسير

** 1 قاعدة في أمهات مآخذه :

للناظر في القرآن ، لطلب التفسير ، مآخذ كثيرة. أمهاتها أربعة :

الأول النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم : وهذا هو الطراز المعلم. لكن يجب الحذر من الضعيف منه والموضوع ، فإنه كثير. ولهذا قال أحمد : ثلاثة كتب لا أصل لها : المغازي ، والملاحم ، والتفسير.

قال المحققون من أصحابه : مراده أن الغالب أنه ليس لها أسانيد صحاح متصلة. وإلا فقد صح من ذلك كثير ، كتفسير الظلم بالشرك في آية الأنعام. والحساب اليسير بالعرض ، والقوة بالرمي في قوله : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) [الأنفال : 60].

الثاني الأخذ بقول الصحابي : فإن تفسيره عندهم بمنزلة المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، كما قاله الحاكم في مستدركه. وقال أبو الخطاب ، من الحنابلة : يحتمل أن لا يرجع إليه إذا قلنا : إن قوله ليس بحجة. والصواب الأول ، لأنه من باب الرواية لا الرأي.

قلت : ما قاله الحاكم نازعه فيه ابن الصلاح وغيره من المتأخرين ، بأن ذلك مخصوص بما فيه سبب النزول أو نحوه ، مما لا مدخل للرأي فيه. ثم رأيت الحاكم نفسه صرح به في علوم الحديث فقال : ومن الموقوفات تفسير الصحابة. وأما من يقول إن تفسير الصحابة مسند ، فإنما يقوله فيما فيه سبب النزول. فقد خصص هنا ، وعمم في المستدرك. فاعتمد الأول ، والله أعلم. ثم قال الزركشي : وفي الرجوع إلى قول التابعي روايتان عن أحمد. واختار ابن عقيل المنع ، وحكوه عن شعبة ، لكن عمل المفسرين على خلافه. فقد حكوا في كتبهم أقوالهم لأن غالبها تلقوها من الصحابة. وربما يحكى عنهم عبارات مختلفة الألفاظ ، فيظن من لا فهم عنده أن ذلك اختلاف محقق فيحكيه أقوالا ، وليس كذلك ، بل يكون كل واحد منهم ذكر معنى من الآية لكونه أظهر عنده أو أليق بحال السائل. وقد يكون بعضهم يخبر عن

Page 7

الشيء بلازمه ونظيره ، والآخر بمقصوده وثمرته ، والكل يؤول إلى معنى واحد غالبا. فإن لم يمكن الجمع ، فالمتأخر من القولين عن الشخص الواحد مقدم ، إن استويا في الصحة عنه ، وإلا فالصحيح المقدم.

الثالث الأخذ بمطلق اللغة : فإن القرآن نزل بلسان عربي ، وهذا قد ذكره جماعة ، ونص عليه أحمد في مواضع ، لكن نقل الفضل بن زياد عنه أنه سئل عن القرآن يمثل له الرجل ببيت من الشعر؟ فقال : ما يعجبني. فقيل : ظاهره المنع. ولهذا قال بعضهم في جواز تفسير القرآن بمقتضى اللغة روايتان عن أحمد ، وقيل : الكراهة تحمل على من صرف الآية عن ظاهرها إلى معان خارجة محتملة يدل عليها القليل من كلام العرب ، ولا يوجد غالبا إلا في الشعر ونحوه ، ويكون المتبادر خلافها.

وروى البيهقي في (الشعب) عن مالك قال : لا أوتى برجل غير عالم بلغة العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالا.

الرابع التفسير بالمقتضى من معنى الكلام ، والمقتضب من قوة الشرع : وهذا هو الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس حيث قال : «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (1)، والذي عناه علي بقوله : إلا فهما يؤتاه الرجل في القرآن. ومن هنا اختلف الصحابة في معنى الآية ، فأخذ كل برأيه على منتهى نظره. ولا يجوز تفسير القرآن بمجرد الرأي والاجتهاد من غير أصل. قال تعالى : ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) [الإسراء : 36]. وقال : ( وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) [البقرة : 169]. وقال : ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) [النحل : 44]. أضاف البيان إليه. وقال صلى الله عليه وسلم : «من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» أخرجه أبو داود (2) والترمذي والنسائي. وقال : «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» (3) أخرجه أبو داود (4).

وقال البيهقي في الحديث الأول : إن صح. أراد والله أعلم الرأي الذي

عن جندب قال : قال صلى الله عليه وسلم «من قال بكتاب الله عز وجل برأيه فأصاب فقد أخطأ».

Page 8

يغلب من غير دليل قام عليه ، وأما الذي يشده برهان ، فالقول به جائز.

وقال في المدخل : في هذا الحديث نظر ، وإن صح ، فإنما أراد به والله أعلم فقد أخطأ الطريق ، فسبيله أن يرجع في تفسير ألفاظه إلى أهل اللغة. وفي معرفة ناسخه ومنسوخه ، وسبب نزوله ، وما يحتاج فيه إلى بيانه ، إلى أخبار الصحابة الذين شاهدوا تنزيله ، وأدوا إلينا من السنن ما يكون بيانا لكتاب الله تعالى. قال تعالى : ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ) [النحل : 44]. فما ورد بيانه عن صاحب الشرع ففيه كفاية عن فكرة من بعده ، وما لم يرد عنه بيانه ففيه حينئذ فكرة أهل العلم بعده ، ليستدلوا بما ورد بيانه على ما لم يرد. قال : وقد يكون المراد به من قال فيه برأيه من غير معرفة منه بأصول العلم وفروعه ، فيكون موافقته للصواب ، إن وافقه ، من حيث لا يعرفه ، غير محمودة.

وقال الماوردي : قد حمل بعض المتورعة هذا الحديث على ظاهره ، وامتنع من أن يستنبط معاني القرآن باجتهاده ، ولو صحبها الشواهد ، ولم يعارض شواهدها نص صريح. وهذا عدول عما تعبدنا بمعرفته من النظر في القرآن ، واستنباط الأحكام ، كما قال تعالى : ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) [النساء : 83] ولو صح ما ذهب إليه ، لم يعلم شيء بالاستنباط ، ولما فهم الأكثر من كتاب الله شيئا. وإن صح الحديث فتأويله أن من تكلم في القرآن بمجرد رأيه ، ولم يعرج على سوى لفظه ، وأصاب الحق ، فقد أخطأ الطريق ، وإصابته اتفاق. إذ الفرض أنه مجرد رأي لا شاهد له. وفي الحديث : «القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه» أخرجه أبو نعيم وغيره من حديث ابن عباس. فقوله «ذلول» يحتمل معنيين :

أحدهما : أنه مطيع لحامليه تنطق به ألسنتهم.

والثاني : أنه موضح لمعانيه حتى لا يقصر عنه أفهام المجتهدين.

وقوله : «ذو وجوه» يحتمل معنيين :

أحدهما : أن من ألفاظه ما يحتمل وجوها من التأويل.

والثاني : قد جمع وجوها من الأوامر والنواهي والترغيب والترهيب والتحريم.

وقوله : «فاحملوه على أحسن وجوهه» يحتمل معنيين :

أحدهما : الحمل على أحسن معانيه.

والثاني : أحسن ما فيه من العزائم دون الرخص ، والعفو دون الانتقام.

Page 9

وفيه دلالة ظاهرة على جواز الاستنباط والاجتهاد في كتاب الله تعالى كذا أفاده الزركشي في البرهان.

وقال أبو حيان : ذهب بعض من عاصرناه إلى أن علم التفسير مضطر إلى النقل في فهم معاني تركيبه ، بالإسناد إلى مجاهد وطاوس وعكرمة وأضرابهم. وأن فهم الآيات يتوقف على ذلك ، قال : وليس كذلك. قال الزركشي بعد حكاية ذلك : الحق أن علم التفسير ، منع ما يتوقف على النقل ، كسبب النزول ، والنسخ ، وتعيين المبهم ، وتبيين المجمل. ومنه ما لا يتوقف. ويكفي في تحصيله الثقة على الوجه المعتبر. قال : وكان السبب في اصطلاح كثير على التفرقة بين التفسير والتأويل ، والتمييز بين المنقول والمستنبط ، ليحيل على الاعتماد في المنقول وعلى النظر في المستنبط. قال : واعلم أن القرآن قسمان : قسم ورد تفسيره بالنقل ، وقسم لم يرد. والأول إما أن يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة أو رؤوس التابعين. فالأول يبحث فيه عن صحة السند ، والثاني ينظر في تفسير الصحابي ، فإن فسره من حيث اللغة ، فهم أهل اللسان ، فلا شك في اعتماده ، أو بما شاهده من الأسباب والقرائن ، فلا شك فيه. وإن تعارضت أقوال جماعة من الصحابة ، فإن أمكن الجمع فذاك ، وإن تعذر قدم ابن عباس ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بشره بذلك حيث قال : «اللهم علمه التأويل». وقد رجح الشافعي قول زيد في الفرائض لحديث «أفرضكم زيد» (1).

وأما ما ورد عن التابعين ، فحيث جاز الاعتماد فيما سبق ، فكذلك ، وإلا وجب الاجتهاد.

وأما ما لم يرد فيه نقل ، فهو قليل ، وطريق التوصل إلى فهمه النظر إلى مفردات الألفاظ من لغة العرب ومدلولاتها واستعمالها بحسب السياق.

وقال الإمام ابن خلدون في مقدمة «العبر» في علوم القرآن :

وأما التفسير : فاعلم أن القرآن نزل بلغة العرب ، وعلى أساليب بلاغتهم ، فكانوا كلهم يفهمونه ، ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه ، وكان ينزل جملا جملا ،

Page 10

وآيات آيات ، لبيان التوحيد والفروض الدينية ، بحسب الوقائع ، ومنها ما هو في العقائد الإيمانية ، ومنها ما هو في أحكام الجوارح ، ومنها ما يتقدم ، ومنها ما يتأخر ويكون ناسخا له. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبين المجمل ، ويميز الناسخ من المنسوخ ، ويعرفه أصحابه ، فعرفوه وعرفوا سبب نزول الآيات ومقتضى الحال منها منقولا عنه ، كما علم من قوله تعالى : ( إذا جاء نصر الله والفتح ) (1) أنها نعي النبي صلى الله عليه وسلم ، وأمثال ذلك. ونقل ذلك عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، وتداول ذلك التابعون من بعدهم ، ونقل ذلك عنهم ، ولم يزل ذلك متناقلا بين الصدر الأول والسلف ، حتى صارت المعارف علوما ، ودونت الكتب ، فكتب الكثير من ذلك ، ونقلت الآثار الواردة فيه عن الصحابة والتابعين ، وانتهى ذلك إلى الطبري والواقدي والثعالبي ، وأمثال ذلك من المفسرين ، فكتبوا فيه ما شاء الله أن يكتبوه من الآثار ؛ ثم صارت علوم اللسان صناعية من الكلام في موضوعات اللغة ، وأحكام الإعراب ، والبلاغة في التراكيب فوضعت الدواوين في ذلك ، بعد أن كانت ملكات للعرب ، لا يرجع فيها إلى نقل ولا كتاب. فتنوسي ذلك ، وصارت تتلقى من كتب أهل اللسان ، فاحتيج إلى ذلك في تفسير القرآن ، لأنه بلسان العرب ، وعلى منهاج بلاغتهم. وصار التفسير على صنفين :

تفسير نقلي مسند إلى الآثار المنقولة عن السلف ، وهي معرفة الناسخ والمنسوخ ، وأسباب النزول ، ومقاصد الآي. وكل ذلك لا يعرف إلا بالنقل عن الصحابة والتابعين.

وقد جمع المتقدمون في ذلك وأوعوا ، إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين ، والمقبول والمردود. والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم ، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية. وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات ، وبدء الخليقة ، وأسرار الوجود ، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ، ويستفيدونه منهم ، وهم أهل التوراة من اليهود ، ومن تبع دينهم من النصارى. وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية

عن ابن عباس أن عمر رضي الله عنه سألهم عن قوله تعالى : ( إذا جاء نصر الله والفتح )؟ قالوا : فتح المدائن والقصور. قال : ما تقول يا ابن عباس؟ قال : أجل أو مثل ضرب لمحمد صلى الله عليه وسلم ، نعيت له نفسه.

Page 11

مثلهم ، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب ، ومعظمهم من حمير ، الذين أخذوا بدين اليهودية. فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها ، مثل أخبار بدء الخليقة ، وما يرجع إلى الحدثان والملاحم ، وأمثال ذلك. وهؤلاء مثل كعب الأحبار ، ووهب بن منبه ، وعبد الله بن سلام وأمثالهم. فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم في أمثال هذه الأغراض ، أخبار موقوفة عليهم ، وليست مما يرجع إلى الأحكام ، فيتحرى في الصحة التي يجب بها العمل. ويتساهل المفسرون في مثل ذلك ، وملؤوا كتب التفسير بهذه المنقولات. وأصلها ، كما قلنا ، عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية ، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك. إلا أنهم بعد صيتهم ، وعظمت أقدارهم ، لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة. فتلقيت بالقبول من يومئذ. فلما رجع الناس إلى التحقيق والتمحيص ، وجاء أبو محمد بن عطية ، من المتأخرين بالمغرب ، فلخص تلك التفاسير كلها ، وتحرى ما هو أقرب إلى الصحة منها ، ووضع ذلك في كتاب ، متداول بين أهل المغرب الأندلس ، حسن المنحى. وتبعه القرطبي في تلك الطريقة ، على منهاج واحد في كتاب آخر مشهور ، بالمشرق.

والصنف الآخر من التفسير ، وهو ما يرجع إلى اللسان من معرفة اللغة والإعراب ، والبلاغة ، وتأدية المعنى بحسب المقاصد والأساليب ؛ وهذا الصنف من التفسير قل أن ينفرد عن الأول ؛ إذ الأول هو المقصود بالذات ، وإنما جاء هذا بعد أن صار اللسان وعلومه صناعة. انتهى.

** 2 قاعدة في معرفة صحيح التفسير ، وأصح التفاسير عند الاختلاف :

قال الإمام محمد بن المرتضى اليماني رضي الله عنه في كتابه «إيثار الحق على الخلق» :

* فصل

في الإرشاد إلى طريق المعرفة لصحيح التفسير ، وأصح التفاسير عند الاختلاف بطريق واضح لا يشك أهل الإنصاف في حسن التنبيه عليه والإرشاد إليه :

«اعلم أن كتاب الله تعالى ، لما كان مفزع الطالب للحق بعد الإيمان ، وكان محفوظا كما وعد به الرحمن ، دخل الشيطان على كثير من طريق تفسيره ، وعدم

Page 12

الفرق بين التفسير والتحريف والتأويل والتبديل ، ولو كان لكل مبتدع أن يحمله على ما يوافق هواه ، بطل كونه فرقا بين الحق والباطل. وقد ثبت أنه يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. وهذا لا يتم إلا بحراسته من دعاوى المبطلين في تصرفاتهم واحتيالهم على التشويش فيه ، ولبس صوادعه وقواطعه بخوافيه ، وهذه هذه فليهتم المعظم له بمعرفتها ، ويتأملها حق التأمل ، ويتعرف أسبابها ممن قد مارسها»

وقد أوضحها رضي الله عنه في كتابه المذكور ، وجود الكلام عليها ثم قال : فإذا عرفت ذلك فلا غنى عن معرفة مراتب المفسرين ، حيث يكون التفسير راجعا إلى الرواية ؛ ثم مراتب التفسير ، حيث يكون التفسير راجعا إلى الدراية.

أما مراتب المفسرين : فخيرهم الصحابة رضي الله عنهم ، لما ثبت من الثناء عليهم في الكتاب والسنة ، ولأن القرآن أنزل على لغتهم ، فالغلط أبعد عنهم من غيرهم ، ولأنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أشكل عليهم ، وأكثرهم تفسيرا حبر الأمة وبحرها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، وقد جمع عنه تفسير كامل ، ولم يتفق مثل ذلك لغيره من الصدر الأول الذين عليهم في مثل ذلك المعول ، ومتى صح الإسناد إليه كان تفسيره من أصح التفاسير ، مقدما على كثير من الأئمة الجماهير ، وذلك لوجوه :

أولها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له بالفقه في الدين ، وتعلم التأويل أي التفسير ، وصح ذلك واشتهر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وله طرق في مجمع الزوائد. وقال الحافظ أبو مسعود في أطرافه : إنه مما أخرجه البخاري ومسلم بكماله. وفيهما من غير طريق أبي مسعود عند سائر الرواة «اللهم علمه الكتاب والحكمة» ، وفي رواية «اللهم فقهه في الدين». وفي رواية الترمذي : أنه رأى جبريل عليه السلام مرتين ، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالحكمة مرتين. وينبغي معرفة سائر مناقبه مع ذلك في مواضعها ، ولو لا خوف الإطالة لذكرتها.

وثانيها : أن الصحابة اتفقوا على تعظيمه في العلم عموما ، وفي التفسير خصوصا ، وسموه البحر والحبر ؛ وشاع ذلك فيهم من غير نكير ، وظهرت إجابة الدعوة النبوية فيه ، وقصة عمر معه ، رضي الله عنهما ، مشهورة ، في سبب تقديمه وتفضيله على من هو أكبر منه من الصحابة ، وامتحانه في ذلك (1).

Page 13