محافظتنا القاهرة والجيزة أو باختصار القاهرة الكبرى في عيد أو في مولد، وهو مولد، لحسن الحظ، أصحابه حاضرون ... فأنا أسكن في الجيزة وأعمل في القاهرة، والجيزة مشغولة تماما بمهرجان عايدة تحت سفح الهرم، والقاهرة مشغولة تماما بمهرجان مترو الإنفاق تحت سطح الأرض وفوق سطح الأرض.
وقد أهدانا الدكتور عبد الحميد حسن بمناسبة عايدة هدية رائعة الجمال هي ساعة زهور أقامتها «وكالة الأهرام للإعلان» «حاجة ببلاش كده»، وتصادف أني لم أر الساعة حين عدت من الإجازة، ولكني فوجئت في الحادية عشرة مساء ثم في الثانية عشرة بأجراس تدق في ميدان الجلاء القريب جدا من بيتي وأنا لا أعرف السبب، ترى ما هذه الضجة الغريبة على ضجات الليل في حينا؟ أنا أعرف ضجات الليل عندنا تماما، فبعد انتهاء حركات المرور الرهيبة في شارع النيل وشارع لطفي حسونة يكون الموعد قد حان لكلب مجنون لا بد مصابا بالسعار، بالمناسبة أين مكافحة الكلاب المسعورة في الجيزة؟ إذ يبدأ النباح بالضبط في الثانية من صباح كل يوم، وأستمع جيدا لأعرف لماذا ينبح هذا الكلب المنكود، وأصيخ السمع، فلا ألمح نسمة أو حركة أو إنسانا في الشارع، ومع ذلك يظل ينبح وينبح وكأنه ينادي غفاة البشر أن يهبوا لملء الكأس قبل أن يملأ كأس كف القدر، ولا يتوقف من النباح - شكرا له - إلا عند طلوع الشمس، وقبل أذان الفجر بدقائق أسمع فرقعة «فسبا» مهولة الوقع وسط السكون التام، ولها عشر سنوات بالضبط وهي تفرقع في نفس الوقت تماما مع نهاية كل ليلة، حتى خمنت أنها لا بد تخص موزع اشتراكات الجرائد لشارعنا. أما تلك الدقات النحاسية فقد كانت غريبة تماما، وحين دقت دقتين ونظرت في الساعة ووجدت أنها الثانية إلا دقيقة عرفت أن الدقات لساعة، ولكن أي ساعة لم أعرف إلا في الصباح حين لمحت السور المقام حول سرة الميدان، العقارب الحاملة للزهور.
وفي الصباح رجوت من الصديق الكبير الدكتور عبد الحميد حسن محافظ الجيزة أن يعقد مع سكان منطقة الجلاء اتفاقا، أن تدق الساعة في النهار فقط وأن «تنام» دقاتها إلى الثامنة صباحا، وكان الرجل كريما ومن الليلة التالية اختفت دقات الليل النحاسية، ولكن عواء الكلب ظل على انتظامه وكذلك فرقعات الفسبا والأمر لله من قبل ومن بعد.
أما محافظة القاهرة فكلما رأيت كم ونوع العمل الجاري في ميدان التحرير وشارع رمسيس وميدان رمسيس وقرأنا أن افتتاح مترو الأنفاق سيكون يوم 27 سبتمبر ومعه انتهاء كل أعمال الأسفلت ورصف الميادين والشارع، تأكدت أنه من المستحيل أن ينتهي كل هذا العمل بعد أيام لا تزيد على أسبوع، وحدث أن جمعتني مناسبة اجتماعية قريبة مع اللواء يوسف صبري أبو طالب محافظ القاهرة، وحدثته في هذا وعن شكي في إمكانية تنفيذه، فأكد لي بما لا يدع مجالا للشك أن كل الأعمال السطحية في الميدانين والشارع ستنتهي فعلا يوم 27 وأن ما سيتبقى هو تشجير الشارع والميدانين ذلك الذي سيأخذ وقتا أطول.
ولو أن القائل كان هو المحافظ الذي أنشأ الحديقة الدولية الجميلة في موعد قياسي، وكثيرا من الحدائق غيرها، إلا أنني من فرط عدم تأكدي، قلت له: أتقبل رهانا على هذا يا سيادة المحافظ؟ قال: أقبل، ولم نتفق على قيمة الرهان أو نوعه.
ولكنه رهان أتمنى أن أخسره؛ فهو على الأقل سيثبت لي أنه بالإرادة الكفء وبالمدير الكفء ممكن أن نحل مشاكل كثيرة جدا متراكمة فوق بعضها من قديم الزمان إلى الآن.
وسيثبت لي شيئا آخر، أننا، المصريين، كأحصنة السباق، لا تتبدى قدرتنا المخيفة على العمل والإنجاز إلا قرب النهاية، نهاية السباق أو نهاية الدراسة أو نهاية المشاريع، وإلا فما الذي كان يمنع أن ينجز كثير من العمل الجاري إنجازه الآن أثناء التشطيبات الأخيرة لأول مترو أنفاق في آسيا وأفريقيا باستثناء اليابان.
مركز الدائرة
سران كبيران من أسرار الوجود يحيرانني: سر الكون، وسر الشعب المصري ...
أما الكون فعلماء الفلك والطبيعة النووية والكيميائية وعلماء الفضاء عاكفون على دراسته، وكل يوم أقرأ جديدا عن اكتشاف مجرة ما، أو سرعة ما أسرع من سرعة الضوء التي أجمع العلماء على أنها أسرع سرعة في الكون منذ عهد أينشتين. أقرأ عن البقع السوداء التي تتكثف فيها المادة بالتقارب الشديد بين ذراتها وبين مكونات الذرات داخلها، بحيث يمكن أن يصل ثقل ما يوازي كرة المطاط منها، ثقل الكرة الأرضية كلها، الكون يتمدد، الكون ذات يوم سيعود إلى الانكماش، الكون ينبض، الكون يتحرك، إلى أين وفي أي اتجاه، وهل ما هو خارج الكون فضاء أثيري كما كنا نعتقد، أم أنه لا يوجد للكون خارج، فكل الكون داخل كل الكون، والأحداث كلها تدور منه ومن داخله.
Unknown page