425

Al-mabdaʾ waʾl-maʿād

المبدأ والمعاد

Editor

قدمه وصححه : الأستاذ السيد جلال الدين الآشتياني

Edition

الثالثة

Publication Year

1422 - 1380ش

لم يكن شيئا مذكورا وهذا أخس الأحوال وأنزل المراتب المعدومية ثم صار قوة صرفة يتساوى طرفا الوجود والعدم إليه ثم صار مستعدا لوجود الإنسانية بعد طي مراتب الجمادية والنباتية والحيوانية وهذا حتى بلغ أول مرتبة الإنسانية وأدنى منازلها وهو الجنين في الرحم ثم إلى الطفولية وهكذا إلى أن يصير تام الخلقة كامل البنية فإذا كمل ظاهره وبدنه بالجوارح والأعضاء الظاهرة والباطنة حتى في الزينة البدنية من شعر الأطراف وقوة الجسمية من المحركة والمدركة أخذ في تكميل نفسه وتقوية باطنه الذي هو حقيقة ذاته وصورة وجوده وكلما أخذت نفسه في القوة والكمال أخذ بدنه في الضعف والانحلال والوهن والكلال شيئا فشيئا إلى أن بلغت النفس غايتها في القوة والجوهرية والاستقلال في الوجود من دون البدن فحدث حينئذ الموت الطبيعي للبدن فالموت الطبيعي للبدن بهذا المعنى لا لما ذكره الأطباء وغيرهم من أن عروض الموت الطبيعي للإنسان إنما يكون بسبب فناء الحرارة الغريزية له وتناهي القوة الجسمانية في الفعل والانفعال. والنفس وإن كانت جوهرا مجردا في ذاتها لكنها مادية في تأثيرها وتأثرها كما أشرنا إليه من أن هذا الوجه غير تام عندنا. فإن الفاعل لقوى البدن والحافظة لمزاجه والمفيض لحرارته الغريزية هي النفس المتدرجة في الكمال والاستكمال.

والقابل الأول هي الهيولى الأولى المعراة عن الكمية والمقدار وبرهان تناهي التأثير والتأثر لا يجري إلا في المنقسمات.

ثم إن النفس عند أوان نقصها وأول تكونها لم يكن عاجزة عن حفظ المزاج عن الفساد والزوال وضبط التركيب عن الانحلال والاضمحلال بل كان فعلها في البدن التكميل والإنماء والزيادة في التغذية على حد الاكتفاء فإذا قويت في التجوهر وكملت في الوجود كيف عجزت عما قويت عليه نفس الطفل والجنين بمراتب وضعفت عن إبقاء شيء مما كانت تحدثه أولا من كمية البدن والأعضاء في حالة الإنماء.

فالحق أن كل نفس بحسب جبلتها وفطرتها متوجهة إلى عالم آخر مرتحلة من حيث غريزتها الذاتية إلى مرحلة خارجة عن مراحل الدنيا مسافرة من أول منزل تكونها ومنذ أول حدوثها إلى الله تعالى لأنها جاءت منه فيعود إليه.

Page 527