Maʾāthir al-abrār
مآثر الأبرار
قال النبي : ((السلطان العادل ظل الله في أرضه ))،ولعمري أن المتطرق لهذه الطرائق لخليق بهذه الخلائق، فيكون الناس كلهم أعوانه على من ناواه، وأنصاره على من طلبه وخاطاه من غير أن يفتقر إلى طلب خدم وأعوان وعبيد وغلمان، يشهد بذلك العيان،ويعترف به القلب واللسان، ولا يجحده إنس ولا جان، وتحقيقه في سيرة كسرى أنو شروان، ويؤيده قوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان }[النحل:90]، ولا يدخل في خاطره أن السيرة المرضية التي يقضي بها العقل والشرع، وتوافق الغريزة والطبع ممتنعة متعذرة بل هي ممكنة متيسرة؛ لأن الله تعالى لا يكلف الملوك إلا ما كان داخلا في وسعهم؛ قال الله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها }[البقرة: 286]، لأنه [تعالى] إذا أمكنهم من البلاد والعباد، وأنفذ أمرهم في الإصدار والإيراد، وجعلهم يقودون الخلق بزمام الطاعة، ويحملونهم على السمع والطاعة، أراد منهم أن ينظروا في عباده وبلاده بما يرضاه، وقد قال تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم}[الزمر:7]، وقال تعالى: {وما الله يريد ظلما للعباد }[غافر:31]، وإذا ثبت أنه إذا أمكنهم من الملك إلا ليفعلوا بما هو صلاح الخلق، دل على أنهم قادرون على السيرة التي فيها استقامة أمر الناس، وصلاحهم على قدر وسعهم وطاقتهم، وأنه أمر متيسر غير متعسر، وأن ثوابهم أكثر وأغزر من ثواب من لم يكلف ذلك لما انطوى تكليفهم عليه من الفوائد والمصالح، ومما يدل على ذلك قوله ((الخلق عيال الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله ))، ولا شك أن الملك العادل للخلق أكثر من منافعهم فيما بينهم، فيكون على ذلك أحب إلى الله من رعيته لأجل نفعه لهم، وذلك إذا فعل ما يفعله منهم لله تعالى وللدار الآخرة وامتثالا لما أراد الله منه نال عند الله درجة عظيمة، لا يبلغها إلا من ملكه الله مثل ما ملكه، وعمل مثل ما عمله، وإنما قلنا: إنه إنما ينال هذه المنزلة عند الله إلا بالنية الصالحة، فلقوله : ((الأعمال بالنيات ))، ولعمري أن من قصده الله سبحانه بأفعاله ولو قلت طاعته أفلح وأنجح، كيف [إلا] من مكنه الله من الملك، وعمل فيه بما أراده الله منه فإنه أكثر فلاحا ونجاحا، وسدادا وصلاحا، وإياك من قائل يقول لك: إنك إذا سرت في الناس السيرة الحسنة، وسلكت بهم الطريق المستحسنة عتوا وتجبروا، وخالفوا وتكبروا وامتنعوا من أداء الحقوق الواجبة، وسارعوا إلى الشقاق والنزاع، فاحذره فإنه إنما يريد بذلك حطام الدنيا، ولا يراقب الملك الأعلى، وهمته في هم المال، واكتسابه من طرق الحرام لا الحلال، وهو يظهر نصحك، وهو في الحقيقة غاش لك ولنفسه، فالحذار [الحذار] من أن تصغي إليه سمعا، أو تجعل كلامه مجنا [لك] أو درعا فإن الأمر بخلاف ما قال، فلا يكون ذلك إلا إذا كان الملك عاجزا عن ردع الجهال، وقمع أرباب الضلال، وأما إذا كان كالمقام العالي ثابت الجنان، كثير الأعوان، مطاع السلطان، محتني السيف والسنان، قوي الأركان، في كل عنق منه طوق إحسان، فإنه لا يخالف في شأن، وإن خالفه مخالف قام عليه الثقلان، وألحق به الذل والهوان.
Page 143