281

ورأى أصحابه يوما وقد مالت نفوسهم إلى كثرة ما غنموه فأمر بضم جميعه وأحرقه، وقال: من كان يسعى إلى الدنيا فليس له عندي إلا ما رأى، ومن كان يسعى للآخرة فجزاؤه عند الله، وكان على خمول زيه وبسط وجهه مهيبا منيع الحجاب إلا عند مظلمة، وله رجل مختص بخدمته والإذن عليه، وكان له شعر جيد فمنه:

أخذت بأعضادهم إذ نأوا

وخلفك القوم إذ ودعوا

فكم أنت تنهى ولا تنتهي

وتسمع وعظا ولاتسمع

فيا حجر الشحذة حتى متى

تسن الحديد فلا يقطع

وكان أكثر ما ينشد:

تجرد من الدنيا فإنك إنما

خرجت إلى الدنيا وأنت مجرد

وكان يتمثل أيضا بقول المتنبي:

إذا غامرت في أمر مروم

فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في أمر حقير

كطعم الموت في أمر عظيم

وبقوله أيضا:

ومن عرف الأيام معرفتي بها

وبالناس روى رمحه غير راحم

فليس بمرحوم إذا ظفروا به

ولا في الردى الجاري عليهم بآثم

[وبقوله أيضا] :

وما أنا منهم بالعيش فيهم

ولكن معدن الذهب الرغام

قلت: وإنما استطردت ذكر ابن تومرت لسبب ذكر كتاب (الجفر) ولأن شأنه كان إحياء معالم الدين كما كان ذلك شأن يحيى بن الحسين -عليه السلام- ولله القائل:

تعرض مختارا وما كان ذاكرا

لعهد اللوى والشيء بالشيء يذكر

[و] قال ابن خلكان، في ترجمة يزيد بن مزيد الشيباني : إن هارون أعطاه ذا الفقار يوم وجه لحرب الوليد بن ظريف الشيباني الخارجي وقال له: هذا ذو القفار سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خذه، فإنك ستنصر على عدوك، فأخذه فنصر، فقال مسلم بن الوليد:

Page 382