Durūs lil-shaykh ʿabd allāh ḥammād al-rassī
دروس للشيخ عبد الله حماد الرسي
Regions
•Saudi Arabia
أسباب السعادة وأسباب الشقاء
إن هذه الحياة الدنيا دار ممر وعبور، ودار هموم وغموم، وإن السعادة الحقيقية هي في دار الاستقرار والخلود في جنات النعيم، ولكن إذا أردنا أن نعيش سعداء فلابد أن نعرف أسباب السعادة فنأتيها، وأسباب الشقاوة فنجتنبها، وقد تطرق الشيخ في هذا الدرس إلى أسباب السعادة وأسباب الشقاوة، وتكلم عن السعادة الحقيقية التي هي غاية كل المؤمنين في هذه الحياة الدنيا.
1 / 1
التقوى وأسباب السعادة
إن الحمد لله؛ نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.
أما بعد:
أيها الأحبة في الله: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فإنها وصية الله للأولين والآخرين.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٢ - ١٠٣].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أيها الأحبة في الله: الله ﷾ يحث على التقوى، وإذا وجدت عندك التقوى فإنك من السعداء كما يقول القائل:
ولست أرى السعادة جمع مالٍ ولكن التقي هو السعيد
التقي هو السعيد، السعادة كل السعادة، والخير كل الخير، والعز والشرف والرفعة في الدنيا والآخرة هي التقوى، ففيها راحة القلب، التقوى يا عبد الله فيها راحة القلب وسروره، التقوى بها تزول الهموم والغموم، إذا أتى الإنسان بعواملها الأربعة التي فسرها بها علي ﵁ حيث قال: [[التقوى هي: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والتزود ليوم الرحيل، والقناعة بالقليل]] سعد بها وأسعد غيره.
1 / 2
حفظ الرأس وما حوى
الخوف من الجليل: هذا الخوف يحمل من التزمه أي أنه إذا كان الإنسان يخاف الله ﷿ في السر والعلانية فإنه يحفظ الرأس وما فيه من الحواس، فالرأس فيه دواهي إذا لم تحفظها دخل الشيطان معها، الشيطان يدخل من العينين، ويدخل من الأذنين، ويدخل من الفم، فتحفظ العين من النظر إلى ما لا يحل النظر إليه، فإذا حفظت النظر صار عندك سببٌ من أسباب السعادة، وتحفظ الأذنين عن سماع ما لا يحل لك استماعه، تحفظ الفم عن الكلام بما لا يحل، لذلك يقول رسول الله ﷺ: ﴿من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة﴾.
اللسان الذي يوقع في المهالك، أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه وهو الخليفة بعد رسول الله ﷺ دخل عليه عمر ﵁ وهو ممسكٌ بلسانه، قال: [[مه يا أمير المؤمنين! ما هذا يا خليفة رسول الله؟ قال: هذا الذي أوقعني في المهالك]].
إذًا: في الرأس ثلاثة مداخل، إذا لم يحفظها الإنسان فإن الشيطان يدخل منها؛ العينان والأذنان والفم، نعم فاللسان تحفظه عن الكلام بما يضر في الدين والدنيا والآخرة.
1 / 3
حفظ الفرج
ثانيًا: من الخوف من الجليل وهو من أسباب السعادة: أن تحفظ الفرج كما قال ﷺ: ﴿من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة﴾ أو كما قال ﷺ، من أي شيء يحفظ الفرج؟ يحفظ من اللواط ومن الزنا، نسأل الله العفو والعافية.
الخوف من الجليل الذي يحمل الإنسان على أن يطلب الحلال، أكلًا وشربًا ولباسًا، وأيضًا من السعادة أن يحفظ الإنسان بطنه لا يدخل فيه حرامًا، ويحفظ جلده أن لا يلبسه حرامًا؛ فإنه عند ذلك إن دعا الله استجاب له دعاءه، لكن إذا كان يأكل الحرام والعياذ بالله، فإنه لا يستجاب له دعاء، ﴿وأي جسمٍ نبت من سحت فالنار أولى به﴾.
1 / 4
المحافظة على الفرائض والنوافل
من أسباب السعادة الخوف من الجليل بالمحافظة على أداء الفرائض، والمبادرة إليها، وهي أحب ما يتقرب العبد به إلى ربه، كما قال ربنا جل وعلا في الحديث القدسي الذي يرويه لنا رسول الهدى محمد ﷺ: ﴿وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه﴾.
ثم من السعادة التي تقربك إلى الله زلفى المبادرة إلى النوافل حتى تكون من أحباب الله ﷿، يقول ﷾ في الحديث القدسي: ﴿ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه﴾ الله أكبر ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨].
1 / 5
القيام بأمور الدين وأركان الإسلام
من السعادة المبادرة إلى القيام بأمور الدين عمومًا، وفي مقدمة ذلك أداء الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ، فوالله ثم والله إنها لسعادة عظيمة أن يكون الإنسان موحدًا لله ﷾ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
ثم من السعادة أيضًا أن يأتي بالركن الثاني: وهو الصلاة، والثالث: إيتاء الزكاة، والرابع: صوم رمضان، والخامس: حج بيت الله الحرام إذا استطاع إلى ذلك سبيلًا، إذا التزم بهذه الأركان فإنه يعيش مسلمًا، ويموت مسلمًا، ويبعث مسلمًا.
أيها الإخوة في الله: لا يحصل ذلك إلا بعد أن يحصل الإيمان، والإيمان ليس بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقته الجوارح، فإذا حصل الإيمان حصلت المبادرة إلى الخيرات إلى رب العزة والجلال، الإيمان إذا رسخ في القلب لا تزلزله الجبال الراسيات، عند ذلك يتلذذ الإنسان بشرائع الإسلام التي جاءت في الكتاب والسنة، حيث قال رسول الله ﷺ لما سأله جبريل ﵇ قال: ﴿أخبرني عن الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا قال: صدقت، أخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن باليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، أخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه، فإنه يراك﴾ إذا التزمت بهذه الأركان فأنت مسلمٌ مؤمنٌ بالله ﷿.
1 / 6
طاعة الوالدين
ثم من أسباب السعادة بعد التوحيد أمرٌ عظيم وهو: بر الوالدين كما قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣] الأم والأب يوصي بهما رب العزة والجلال، وقرن حقهما بعد حقه ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤] الله أكبر هذه وصية من رب العالمين، الله أكبر يا عبد الله، قرن الله حق الوالدين بحقه ﷾.
1 / 7
صلة الأرحام وبذل المعروف
ثم من أسباب السعادة: صلة الأرحام، والإحسان إلى الأرامل والأيتام، والإحسان إلى الفقراء والمساكين، هذه كلها من أسباب السعادة التي تدخل تحت الخوف من الجليل، إذا عملها الإنسان خائفًا من الله ﷿ راجيًا لثوابه، فإن الله ﷾ يجزيه أتم الجزاء.
أيضًا من أسباب السعادة: بذل المعروف يقول الرسول ﷺ: ﴿لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق﴾ ولكن كما قلت لكم في كثير من المناسبات أن المسلمين الآن أحوالهم يرثى لها، فإنا لله وإنا إليه راجعون، المسلم إذا ركب بجوار أخيه المسلم سواءً في الطائرة، أو في القطار، أو في سيارة ولم يكن بينهما معرفة ماذا يفعل فكل واحدٍ منهما يعطي صاحبه الجنب، نعم، لا يحصل سلام، ولا يحصل تعارف.
أجل أين الأخوة يا عبد الله؟ والله ﷿ يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] كل المؤمنين إخوة، ﴿مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى﴾ طبقوا هذا أيها الإخوة في الله! يروى في الأثر أنه يقول: [[في آخر الزمان يكون السلام للمعرفة]] إذا عرفه سلم عليه، وإذا لم يعرفه لم يسلم عليه، والرسول ﷺ يقول: ﴿لا يحل لامرءٍ مسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام﴾ ثم يقول: ﴿إذا التقى المسلمان فتصافحا تحاتت عنهما ذنوبهما كما تحاتّ الشجرة ورقها أو يغفر لهما قبل أن يفترقا﴾ لما سمعها أحد السلف تعجب لها، قال له محدثه: كيف تعجب وربنا يقول: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣].
انظر بعد الفرقة في الجاهلية جمعهم الله تحت راية وتحت كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، فمن أسباب السعادة: إذا لقيت أخاك المسلم أن تسلم عليه وأن تلقاه بوجه طلق.
1 / 8
أداء حقوق المسلم
ومن أسباب السعادة: زيارة المريض، إذا زار المسلم أخاه المريض فإنه يقال له: ﴿طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلًا﴾.
أيها الإخوة في الله: لما كثرت الغفلة، وكثر الإعراض والصدود يمرض المريض ويموت وقريبه لا يعلم عنه، إنما إذا حصلت حاجة أو ألمت به ملمة ذهب يسأل عنه، أين فلان؟ فلان مات منذ ثلاث سنوات، مات منذ سنتين، الله أكبر هذا واقعنا أيها الإخوان الكرام.
من حقوق المسلم على أخيه المسلم أن يزوره إذا مرض، ويتبع جنازته إذا مات، من حقوق المسلم على أخيه المسلم إذا عطس فحمد الله أن يشمته، يقول له: يرحمك الله، ثم يقول له: يهديكم الله ويصلح بالكم، هذه لا توجد عند كثير من المسلمين، حتى أن بعضهم إذا قلت: يرحمك الله، قال: عافاك الله أو يقول كلمات غير ذلك، فهدي الرسول ﷺ أنه إذا عطس وحمد الله أن يقال له: يرحمك الله، ثم يقول العاطس: يهديكم الله ويصلح بالكم.
وإفشاء السلام، ذكرت لكم السلام لكن نسينا أن نذكر كيف صيغة السلام التي ينبغي أن تكون بين المسلمين، صيغة السلام أن يقول المسلم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإن قال: السلام عليكم، كتب له عشر حسنات، وإن قال: السلام عليكم ورحمة الله كتب له عشرون حسنة، وإن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب له ثلاثون حسنة، فاغتنم هذا الفضل يا عبد الله، وخيركم الذي يبدأ بالسلام.
من أسباب السعادة، وهي التي تدخل تحت مرضاة الجليل جل وعلا: الوفاء بالعهود، أن يأتي الإنسان بالعهد حتى يدخل مع الذين مدحهم الله في قوله تعالى في سورة (المؤمنون) وفي سورة (سأل سائل).
1 / 9
أسباب أخرى للسعادة
1 / 10