Lawāmiʿ al-Anwār al-Bahiyya wa-Sawāṭiʿ al-Asrār al-Athariyya li-sharḥ al-Durra al-Muḍiyya fī ʿaqd al-Firqa al-Marḍiyya
لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
Publisher
مؤسسة الخافقين ومكتبتها
Edition
الثانية
Publication Year
1402 AH
Publisher Location
دمشق
Genres
•Hanbali
الْمُهَيْمِنِ السَّلَامِ «مِنِّي» أَيْ بِأَنْ أَسَالَ اللَّهَ ﵎ أَنْ يَفْعَلَ جَمِيعَ ذَلِكَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ وَطَوْلِهِ وَحِلْمِهِ «لِمَثْوَى» أَيْ مَنْزِلٍ وَمَقَامٍ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْمَثْوَى الْمَنْزِلُ مِنْ ثَوِيَ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ فِيهِ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْمَثْوَى الْمَنْزِلُ وَجَمْعُهُ مَثَاوِي. وَهُوَ مَجَازًا لِأَنَّ الْمُرَادَ الثَّاوِينَ فَأَطْلَقَ الْمَحَلَّ وَأَرَادَ الْحَالَّ، «عِصْمَةِ» أَهْلِ «الْإِسْلَامِ» مِنَ الْبِدَعِ الْمُضِلَّةِ وَالْآرَاءِ الْمُخِلَّةِ وَأَهْلِ الزَّيْغِ وَالْإِلْحَادِ وَالْإِفْكِ وَالْعِنَادِ. وَالْعِصْمَةُ الْمَنَعَةُ وَالْعَاصِمُ الْمَانِعُ الْحَامِي، وَالِاعْتِصَامُ الِامْتِسَاكُ بِالشَّيْءِ افْتِعَالٌ مِنْهُ، وَفِي شِعْرِ أَبِي طَالِبٍ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ:
ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ
أَيْ يَمْنَعُهُنَّ مِنَ الضَّيَاعِ وَالْحَاجَةِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ إِنَّمَا عِصْمَةُ هَذَا الدِّينِ بَعْدَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَانَ بِهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ.
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: «أَئِمَّةِ» أَهْلِ هَذَا «الدِّينِ» الْمَتِينِ وَنُورِ اللَّهِ الْمُبِينِ الَّذِي جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ الْأَمِينُ مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، «هُدَاةِ الْأُمَّةِ» أَيِ الدَّالِّينَ الْأُمَّةَ عَلَى نَهْجِ الرَّسُولِ، وَالْكَاشِفِينَ لَهُمْ عَنْ مَعَانِي الْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ وَالْأَحَادِيثِ الَّتِي عَلَيْهَا الْمُعَوَّلُ، وَالذَّابِّينَ زَيْغَ الزَّائِغِينَ وَبِدَعَ الْمُبْتَدِعِينَ وَضَلَالَ الْمُضِلِّينَ وَإِلْحَادَ الْمُلْحِدِينَ، فَقَدْ شَيَّدُوا مَبَانِيَهَا وَسَدَّدُوا مَعَانِيَهَا، وَأَصَّلُوا أُصُولَهَا وَفَصَّلُوا فُصُولَهَا، فَأَصْبَحَتِ الشَّرِيعَةُ بِهَذَا التَّرْتِيبِ مَضْبُوطَةً، وَأَحْكَامُهَا بِهَذَا الْوَصْفِ وَالتَّبْوِيبِ مَرْبُوطَةً، فَمَنْ رَامَ اخْتِلَاسَ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهَا نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَهُوَ خَائِبٌ، وَمَنْ دَنَا مِنْ سَمَاءِ أَحْكَامِهَا رَمَتْهُ كَوَاكِبُ حَرَسِهَا بِشِهَابٍ ثَاقِبٍ، وَلَسْتُ أَخُصُّ بِهَذَا الْوَصْفِ وَالدُّعَاءِ أَحَدًا دُونَ أَحَدٍ، بَلْ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى لَهُمْ جَمِيعًا، لِأَنَّهُمْ هُمْ «أَهْلُ التُّقَى مِنْ سَائِرِ» أَيْ جَمِيعِ «الْأَئِمَّةِ» مِنَ الْمُقْتَدَى بِأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، مِنْ كُلِّ عَالِمٍ هُمَامٍ وَحَبْرٍ قَمْقَامٍ وَمُقْدِمٍ مِقْدَامٍ، كَالْأَئِمَّةِ الْمَتْبُوعَةِ الْآتِي ذِكْرُهُمْ، وَالسُّفْيَانَيْنِ، وَالْحَمَّادَيْنِ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَالْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جُرَيْجٍ، وَدَاوُدَ، وَغَيْرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ وَإِنْ تَبَايَنَتْ أَقْوَالُهُمْ وَاخْتَلَفَتْ آرَاؤُهُمْ مِنْ جِهَةِ الْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ، فَالْجَمِيعُ سَلَفِيَّةٌ أَثَرِيَّةٌ، وَلَهُمْ فِي السُّنَّةِ التَّصَانِيفُ النَّافِعَةُ وَالتَّآلِيفُ النَّاصِعَةُ، كَابْنِ سَعِيدٍ الدَّارِمِيِّ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَأَشْبَاهِهِمْ. ثُمَّ بَعْدَ أَنْ عَمَّ جَمِيعَ الْأَئِمَّةِ بِالدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ خَصَّ الْأَئِمَّةَ الْأَرْبَعَةَ، الَّذِينَ مَدَارُ الشَّرِيعَةِ الْآنَ عَلَى مَا أَوْصَلُوهُ، وَأَحْكَامُهَا
2 / 458