417

Lawāmiʿ al-Anwār al-Bahiyya wa-Sawāṭiʿ al-Asrār al-Athariyya li-sharḥ al-Durra al-Muḍiyya fī ʿaqd al-Firqa al-Marḍiyya

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية

Publisher

مؤسسة الخافقين ومكتبتها

Edition

الثانية

Publication Year

1402 AH

Publisher Location

دمشق

وَانْتَحَلُوا دَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَرَابَاتِهِمُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَيْسُوا بِتِلْكَ الْأَحْوَالِ، ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ - جَمَاعَةُ أَهْلِ الْآثَارِ وَالْفُقَهَاءُ أَهْلِ الْفُتْيَا فِي الْأَمْصَارِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجَمَاعَةِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
ثُمَّ رَدَّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ وَعَلَى الْخَوَارِجِ وَعَلَى الْمُعْتَزِلَةِ بِالْمُوَارِثَةِ، وَبِحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ " مَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ " وَقَالَ: الْإِيمَانُ مَرَاتِبُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، فَلَيْسَ نَاقِصُ الْإِيمَانِ كَكَامِلِهِ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤] أَيْ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ: " «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا» " وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ أَكْمَلَ حَتَّى يَكُونَ غَيْرُهُ أَنْقُصَ، وَقَوْلُهُ: " «أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ» " وَقَوْلُهُ: " «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ» لَهُ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْإِيمَانِ أَوْثَقُ وَأَكْمَلُ مِنْ بَعْضٍ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ الطَّلَمَنْكِيُّ إِجْمَاعَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ. قَالَ الْإِمَامُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: لَمَّا صَنَّفَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ مَنَاقِبَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ ذَكَرَ قَوْلَهُ فِي الْإِيمَانِ: إِنَّهُ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَعَقْدٌ بِالْجَنَانِ وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ - كَقَوْلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ لَقِيَهُ، اسْتَشْكَلَ الرَّازِيُّ قَوْلَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ جِدًّا ; لِأَنَّهُ كَانَ انْعَقَدَ فِي نَفْسِهِ شُبْهَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي الْإِيمَانِ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ، والْجَهْمِيَّةِ، وَالْكَرَّامِيَّةِ وَسَائِرِ الْمُرْجِئَةِ وَهُوَ أَنَّ الشَّيْءَ الْمُرَكَّبَ إِذَا زَالَ بَعْضُ أَجْزَائِهِ لَزِمَ زَوَالُهُ كُلِّهِ، لَكِنْ هُوَ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا ظَاهِرَ شُبْهَتِهِمْ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَالْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرَهُ سَهْلٌ، فَإِنَّهُ يُسَلَّمُ لَهُ أَنَّ الْهَيْئَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ لَمْ تَبْقَ مُجْتَمِعَةً كَمَا كَانَتْ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ زَوَالِ بَعْضِهَا زَوَالُ سَائِرِ الْأَجْزَاءِ - يَعْنِي كَبَدَنِ الْإِنْسَانِ إِذَا ذَهَبَ مِنْهُ إِصْبَعٌ، أَوْ يَدٌ، أَوْ رَجُلٌ وَنَحْوُهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ إِنْسَانًا بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ إِنْسَانٌ نَاقِصٌ، وَالشَّافِعِيُّ مَعَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ السَّلَفِ يَقُولُونَ: إِنَّ الذَّنْبَ يَقْدَحُ فِي كَمَالِ الْإِيمَانِ ; وَلِهَذَا نَفَى الشَّارِعُ الْإِيمَانَ عَنْ هَؤُلَاءِ، يَعْنِي الزَّانِيَ وَالزَّانِيَةَ وَالسَّارِقَ وَشَارِبَ الْخَمْرِ

1 / 417