749

ولقد لبث والدنا قدس الله روحه في مرضه الذي توفاه الله - تعالى - فيه، نحو عشرين يوما، لايأكل طعاما أصلا، ولم يقعد به ذلك عن قيام، ولاصلاة، ولا تلاوة، ولا ذكر، بل ازدادت أعماله في جميع ذلك؛ وكنا نعالجه بكثير من أنواع /206 المشتهيات، فلا يتناول شيئا، ومتى أكثرنا عليه يقول: ((إن الله يطعمه ويسقيه))...الحديث؛ وأسعدنا في بعض الأيام بالإجابة إلى التين وكان في ابتداء حدوثه ؛ فمشى بعض الإخوان مسافة للإتيان بما وجده، ورجع وقد تحصل له؛ فعرضناه عليه، فقال: لاحاجة لي فيه.

فلما أكثرنا مراجعته، قال ما معناه: قد أطعمني الله تعالى حتى شبعت، فأنا الآن شبعان ريان، والحمد لله رب العالمين.

ثم دعا لنا وللرجل الذي جاء به، وأخبره بفضل مشيه لذلك.

ولقد كان يقسم لي بالله العظيم، أنه لايجد ألما، ولايشتهي شرابا ولاطعاما، في جميع مرضه.

ولم يزل ملازما للأوراد لايفتر لسانه عن ذكر الله، إلا في حال

خطاب بضروري، أو جواب، أو توصية لي ولمن حضر بتقوى الله وما يقرب إليه؛ ويتأذى كل التأذي بأي قاطع له عن الذكر، ويعتذر عن المحاورة بذلك، حتى لقي الله - تعالى - وقد غشي وجهه النور، والبهجة والسرور، بعد أن أكرمه الله - تعالى - بكرامات بينات؛ رضي الله عنه وأرضاه، وبل بوابل الرحمة ثراه.

[عودة إلى كرامات الكينعي رضي الله عنه]

هذا، قال: ومنها: مرضى شفوا ببركة دعائه، ووضع يده عليهم عدة، وتتابع بركات وثمرات في وقوفه معهم في ذلك المسجد المبارك، لايمكن شرحه؛ لكثرته.

الكرامة الخامسة: ما رويت عنه رحمه الله تعالى أنه قال: كنت في حصن المصافرة، ببلاد مدحج؛ فجيء بعصيدة حسنة، بمحضر القاضي حسن بن سليمان، وعدة من الأفاضل الزاهدين؛ فعولوا علي في الإفطار، فساعدتهم رغبة لإدخال المسرة عليهم؛ فذكرنا اسم الله، ومدوا أيديهم إلى الطعام، وأردت أمد يدي لآكل معهم، فما امتدت أبدا، بل كأنها عود يابس؛ فقمت، وقلت: ترجح لي إتمام الصيام؛ وبحثت عن تلك العصيدة، فقيل: إن أصل عملها /207 لمتولي أمر كان معنا في الحضرة؛ وكانت تلك ابتداء هذا اللطف لي في كل شيء.

Page 207