إنني أقول ما قاله كريون مدافعا عن وجهة نظره: «ليس من سبيل إلى أن تعرف نفس الرجل وذكاؤه وأخلاقه إذا لم يجلس مجلس الحكم، ولم يوكل إليه تدبير الدولة وحماية قوانينها، أما أنا فأعتقد، وقد اعتقدت دائما، أن ذلك الرجل الذي يكلف الحكومة وحماية القوانين فلا يقف نفسه على النصح للدولة وتضحية كل شيء في سبيلها، بل يمنعه الخوف من ذلكم؛ أعتقد أن هذا الرجل شرير ممقوت، ولا أستطيع إلا أن أزدري ذلكم الذي يؤثر منفعة الصديق على منفعة الوطن.»
إنه لم يعد بد - كما قلت في موضع آخر - من تغيير قيم الأشياء والأوضاع، فما كان صالحا لآبائنا لم يعد صالحا لنا؛ فقد كانت شدة الروابط الأسرية موضع فخر حين كانت الحياة بدوية متنقلة بين أطراف الصحراء، فكان حتما على أبناء الأسرة الواحدة أن يتحدوا جبهة واحدة أمام هجمات الأسر الأخرى أو القبائل الأخرى - والقبيلة أسرة كبيرة - أما اليوم فسبيل الخير هو أن نخلخل الروابط الأسرية بعض الشيء، حتى لا يجد الرجل نفسه ملزما بحكم تربيته أن يؤثر ذوي رحمه على سواهم حين يئول إليه زمام الحكم وتلقى في أيديه مقاليد الأمور، ويصبح قادرا على الضر والنفع.
إنه لا تناقض بين أن تكون للأسرة المكانة الأولى عند الطفل، حتى إذا ما تم له النمو في محيطها وخرج للناس رجلا، تصبح لأسرته المكانة الثانية، كما أنه لا تناقض بين أن يطعم الرضيع من ثدي أمه، حتى إذا ما جاوز حدود الرضاعة التمس لرزقه موردا آخر.
إن بين أمثالنا التي تصور أخلاقنا مثلا يقول: «أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب» - صورة قوية موجزة للتكتل الأسري البغيض، ونريد أن يأتي الزمن الذي تقول فيه أمثالنا: أن لا «غريب» بين أبناء الوطن الواحد، وأنني وأخي وابن عمي وأبناء الوطن جميعا على من نوليه أمورنا فيؤثر «قريبا» على «غريب».
نشر القديم
إني أتهم أدباءنا ومفكرينا بالجبن والخور، وأمام من يخورون ويجبنون؟ أمام سواد الناس من الأميين وأشباههم! أتهم أدباءنا ومفكرينا بالجبن والخور أمام السواد، ولست أدري فيم إذا حملهم للقلم إذا لم تكن مهمتهم الأولى أن يستحيل هذا «السواد» على أيديهم بياضا؟
أدباؤنا ومفكرونا يرتعدون خوفا ورعبا مما عسى أن يقوله الناس فيهم، كأن الله قد خلق الطغام ليملوا على أصحاب الفكر ما يكتبون ويزجروهم عما لا يكتبون، ولم يخلق أصحاب الفكر لكي يكونوا لهؤلاء الناس نبراسا يهتدون به ويرشدون.
سيطر هذا الخوف على أدبائنا ومفكرينا - لا أكاد أستثني من كبارهم أحدا - حتى لقد أصبح من المألوف لقارئ أن يسأل قارئا كلما كتب الكاتب من هؤلاء الكبار مقالا أو أخرج كتابا يتمشى مع عقيدة العامة ووجهة نظرها: أحقا يعتقد فلان هذا في صدق ما كتب؟ أصبح من المألوف أن يسأل قارئ قارئا مثل هذا السؤال عما يكتبه كبار أدبائنا ومفكرينا مما يمالئون به سواد العامة؛ لأن القراء قد أدركوا هذه الهوة السحيقة التي أصبحت تفصل بين ما يدور في باطن المفكر وبين ما يخرجه للناس على الورق، وأصبح القراء في حيرة من أمر قادة الفكر فيهم: متى يقصد هؤلاء القادة حقا إلى صدق ما يكتبونه ومتى لا يقصدون؟
إن كانت فكرة الكاتب متمشية مع فكرة العامة، مضى فيها الكاتب من أول حياته الأدبية إلى آخرها؛ لأنه ليس في طريقه خطر يحمله على انتهاج سبيل آخر، وأما إن كانت فكرة الكاتب متعارضة مع رأي العامة، فهنا تلحظ الأعاجيب في سيرة الكاتب، فهو يبدأ حياته الأدبية بشيء لينتهي آخر الأمر إلى نقيضه، ومن ثم سؤال القراء بعضهم بعضا، أحقا يعتقد الكاتب في صدق ما يروي؟ دلني على مفكر واحد من أصحاب القلم عندنا، قد عرف بفكرة معينة تصدم عقيدة سواد الناس، ثم ثبت عليها، وأخذ يكتب فيها دون أن يتحول عنها.
قد يبدأ الكاتب عندنا بشيء من الشجاعة فيعلن الرأي الذي يخالف ما قد ألفه الناس وتواضعوا عليه، لكنه سرعان ما يعود بيسراه ليمحو ما خطته يمناه، ولا يتردد في تمزيق أوتاره جميعا ليعيد مكانها وترا يبعث به النغم الذي يحلو وقعه في المسامع - لماذا؟ لأن المسكين يريد أن يبيع بضاعته في سوق رائجة التماسا للقمة العيش، ألا قبح الله عيشا يكون العهر الأدبي وسيلته.
Unknown page