36

Kitāb al-Ziyāra min ajwibat Shaykh al-Islām Ibn Taymiyya

كتاب الزيارة من أجوبة شيخ الإسلام ابن تيمية

Editor

سيف الدين الكاتب

Publisher

دار مكتبة الحياة الطباعة والنشر

وكانوا أسرع إليه؛ فإنهم كانوا أعلم بما يحبه الله ويرضاه(٢٨)، وأسبق إلى طاعته ورضاه(٢٩) ولكان النبي صلى الله عليه وسلم يبين ذلك، ويرغب فيه؛ فإنه أمر بكل معروف، ونهى عن كل منكر، وما ترك شيئاً يقرب إلى الجنة إلا وقد حدث أمته به، ولا شيئاً يبعد عن النار إلا وقد حذر أمته منه، وقد ترك أمته على البيضاء(٣٠) ليلها كنهارها، لا ينزوي(٣١) عنها بعده إلا هالك. فكيف وقد نهى عن هذا الجنس وحسم مادته بلعنه ونهيه عن اتخاذ القبور مساجد؟ فنهى عن الصلاة لله مستقبلاً لها وإن كان المصلي لا يعبد الموتى ولا يدعوهم، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت الغروب؛ لأنها وقت سجود المشركين للشمس، وإن كان المصلي لا يسجد إلا لله؛ سداً للذريعة. فكيف إذا تحققت المفسدة بأن صار العبد يدعو الميت ويدعو به. كما إذا تحققت المفسدة بالسجود للشمس وقت الطلوع ووقت الغروب.

وقد كان أصل عبادة الأوثان من تعظيم القبور، كما قال تعالى: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾(٣٢) قال السلف كابن عباس وغيره: كان هؤلاء قوماً صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم عبدوهم.

ثم من المعلوم أن بمقابر ((باب الصغير)) من الصحابة والتابعين وتابعيهم

(٢٨) ذلك أنهم عاصروا نزول الوحي.

(٢٩) ومعلوم أن الصحابة رضوان الله عليهم هم خير القرون وخير الناس بعدهم أتباعهم لهم. حتى قال ابن مسعود رضي الله عنه (من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة).

(٣٠) البيضاء صفة لموصوف محذوف تقديره كما جاء نصه في الحديث (المحَجَّة) وهي جادة الطريق. كناية عن دين الإسلام.

(٣١) الإِنزواء هنا بمعنى: البعد والانقباض. وأصل الفعل انزوى: صار في الزاوية. بمعنى نأى وبعد وحادَ.

(٣٢) سورة نوح / ٢٣.

36