Khaṣāʾiṣ al-aʾimma

خصائص الأئمة

Editor

محمد هادي الأميني

Publication Year

ربيع الثاني 1406

بسم الله الرحمن الرحيم كنت - حفظ الله عليك دينك، وقوى في ولاء العترة الطاهرة يقينك - سألتني أن أصنف لك كتابا يشتمل على خصائص أخبار الأئمة " الإثنى عشر صلوات الله عليهم، وبركاته، وحنانه، وتحياته " على ترتيب أيامهم وتدريج طبقاتهم، ذاكرا أوقات مواليدهم، ومدد أعمارهم، وتواريخ وفاتهم، ومواضع قبورهم، وأسامي أمهاتهم، ومختصرا من فضل زياراتهم، ثم موردا طرفا من جوابات المسائل التي سئلوا عنها، واستخرجت أقاويلهم فيها، ولمعا من أسرار أحاديثهم، وظواهر وبواطن أعلامهم، ونبذا من الاحتجاج في النص عليهم، وحقيقة البرهان في الإشارة إليهم، موضحا من ذلك ما يزيد به الولي المخلص إخلاصا في موالاتهم، وصفاء عقد في محبتهم، ويصدع عن عين عدوهم العمى، ويكشف عن قلبه الغمى، حتى يستشف أنوارهم فيسعوا إليها، ويستوضح أعلامهم فيتتبعها، ويقتفيها سالكا في جميع ذلك طريق الاختصار، ومائلا عن جانب الاكثار، لأن مناقب موالينا الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، لا تحصى بالعدد، ولا تقف عند حد، ولا يجري بها إلى أمد، فإني أعتقد أن جميع أعداد هؤلاء الغرر الذين هم قواعد الاسلام، ومصابيح الظلام، والذين خفض الله الخلق عن منازلهم، وقصر الألسن والأيدي عن تناولهم، وميز بين العالم وبينهم، وأماط (1) العيب والعار عنهم، بين مغموس القلب في الجهالة،

Page 36

ومطروف العين بالضلالة، لا يفيق من سكرة الهوى، فيتبين الطريقة المثلى، وبين عالم بفضلهم، خابر بطيب فرعهم، وأصلهم، يكتم معرفته معاندة، ويغالط نفسه مكايدة، ترجيبا (1) لغرس قد غرسه، وتوطيدا لبناء قد أسسه، وتنفيقا قد قامت له، وائتجارا (2) لجماعة قد التفت عليه.

وكل ذلك طلبا لحطام هذه الدنيا، الوبيل مرتعها، الممر مشربها، المنغص نعيمها، وسرورها، المظلم ضياؤها ونورها، الصائرة بأهلها إلى أخشن المصارع، بعد ألين المضاجع، والناقلة لهم إلى أفزع المنازل، بعد أمن المعاقل، على قرب من المعاد، وعدم من الزاد، ثم تتقلب بهم إلى حيث " تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا " (3).

فعاقني عن إجابتك - إلى ملتمسك - ما لا يزال يعوق من نوائب الزمان، ومعارضات الأيام إلى أن أنهضني إلى ذلك اتفا اتفق لي فاستثار حميتي، وقوى نيتي، واستخرج نشاطي وقدح زنادي، وذلك أن بعض الرؤساء - ممن غرضه القدح في صفاتي، والغمز لقناتي، والتغطية على مناقبي، والدلالة على مثلبة - إن كانت لي - لقيني، وأنا متوجه عشية عرفة من سنة ثلاث وثمانين هجرية، إلى مشهد مولانا أبي الحسن موسى بن جعفر، وأبي جعفر محمد بن علي بن موسى عليهما السلام، للتعريف هناك، فسألني عن متوجهي فذكرت له إلى أين مقصدي، فقال لي: متى كان ذلك؟ يعني أن جمهور الموسويين جارون على منهاج واحد في القول بالوقف، والبراءة ممن قال بالقطع، وهو عارف بأن الإمامة مذهبي، وعليها عقدي ومعتقدي، وإنما أراد التنكيت لي، والطعن على ديني، فأجبته في الحال بما اقتضاه كلامه، واستدعاه خطابه، وعدت وقد قوى عزمي، على عمل هذا الكتاب إعلانا

Page 37

لمذهبي، وكشفا عن مغيبي، وردا على العدو الذي يتطلب عيبي، ويروم ذمي وقصبي، وأنا بعون الله مبتدئ بما ذكرته على الترتيب الذي شرطته، والله المنقذ من الضلال، والهادي إلى سبيل الرشاد. وهو تعالى حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير.

Page 38

خصائص مولانا أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام ولد عليه السلام بمكة في البيت الحرام لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب، بعد عام الفيل بثلاثين سنة، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وهو أول هاشمي في الاسلام، ولده هاشمي مرتين ولا نعلم مولود ولد في الكعبة غيره (1).

وقبض عليه السلام قتيلا بالكوفة، ليلة الجمعة لتسع ليال بقين من شهر رمضان، سنة أربعين من الهجرة، وله يومئذ ثلاث وستون سنة على الرواية الصحيحة، وكان بقاؤه مع رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاثا وثلاثين سنة، وكونه بعده حجة الله في أرضه ثلاثين سنة، ونقش خاتمه - وهو عقيق أحمر - الله الملك وعلي عبده، ويقال: الملك لله (2).

واختلف الناس في موضع قبره، فقال قوم في رحبة القضاء، وقال قوم:

في دار الإمارة، وقال قوم: حمل إلى المدينة، والصحيح الذي لا شك فيه، ولا لبس عليه أنه عليه السلام بالغري (3) من نجف الكوفة، ومما يدل على ذلك أن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام، زاره في هذا الموضع لما أشخصه المنصور إليه.

Page 39

فضل زيارته عليه السلام روي عن الصادق عليه السلام عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله إنه قال: من زار عليا بعد وفاته فله الجنة (1).

وقال الصادق عليه السلام: إن أبواب السماء لتفتح عند دعاء الزائر لأمير المؤمنين عليه السلام.

وقال عليه السلام: من ترك زيارة أمير المؤمنين عليه السلام لم ينظر الله تعالى إليه، ألا تزورون من تزوره الملائكة والنبيون عليهم السلام، إن أمير المؤمنين عليه السلام أفضل من كل الأئمة، وله مثل ثواب أعمالهم، وعلى قدر أعمالهم فضلوا (2).

Page 40

طرف من الاحتجاج للنص عليه، عليه السلام مما يدل على ذلك أن الشيعة جماعة كثيرة لا يحصرهم العدد، ولا يشتمل عليهم بلد، وقد طبقوا البلدان، وملؤا الأقطار، وساروا شرقا وغربا وانتشروا برا وبحرا، على اختلاف أوطانهم، وتباعد ديارهم، وتفاوت هممهم، وأهوائهم، وتباين أقاويلهم وآرائهم، وانتفاء الأسباب الموجبة للشك، والوقوف في خبرهم، وفيهم مع ذلك عدد كثير، وجم غفير، من أهل بيت النبي عليه السلام، وذويه وأصحابه ومواليه، ينقلون نقلا متصلا متواترا أن النبي صلى الله عليه وآله، قد استخلف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، على أمته بعد وفاته، ونص عليه، وفرض طاعته في أمر الدين كله، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فعل ذلك ظاهرا مكشوفا، فوجب قبول هذا الخبر علما ويقينا.

فإن قال قائل: إنهم إنما كثروا الآن، وإن أولهم كان قليلا، وسلفهم كان يسيرا مغمورا، قيل له: ما الفضل بينك وبين من احتج عليك بمثله من الملحدين، وسائر المخالفين؟ فقال: إن آيات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لا تصح لأن عدد المسلمين الناقلين لها كان قليلا في الأول، وإنما كثر الآن فلا تجد بينهما فصلا.

Page 41

فصل فيما روي من الأشعار في نص النبي على أمير المؤمنين عليهما السلام والصلاة في يوم الغدير فمن ذلك ما رواه نقلة الآثار أن حسان بن ثابت الأنصاري (1) استأذن النبي عليه السلام، يوم الغدير بعد فراغه من المقام أن يقول شعرا في ذلك، فأذن له فأنشأ يقول:

يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم وأسمع بالرسول مناديا فقال: فمن مولاكم ووليكم * فقالوا: ولم يبدوا هناك التعاديا إلهك مولانا، وأنت ولينا * ولم تر منا في المقالة عاصيا فقال له: قم يا علي فإنني * رضيتك من بعدي إماما وهاديا فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له أنصار صدق مواليا هناك دعا اللهم وال وليه * وكن للذي عادى عليا معاديا فقال له النبي صلى الله عليه وآله: لا تزال يا حسان مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك (2).

واتفق حملة الأخبار على نقل شعر قيس بن عبادة (3) وهو ينشده بين يدي

Page 42

أمير المؤمنين عليه السلام، بعد رجوعه من البصرة في قصيدته التي أولها:

قلت لما بغى العدو علينا * حسبنا ربنا ونعم الوكيل حسبنا ربنا الذي فتح * البصرة بالأمس والحديث طويل إلى أن بلغ فيها إلى قوله:

وعلي إماما وإمام * لسوانا أتى به التنزيل يوم قال النبي من كنت مولاه * فهذا مولاه خطب جليل إنما قاله النبي على الأمة * حتم ما فيه قال وقيل (1) وهذان الشاعران (2) صحابيان شهدا بالإمامة لأمير المؤمنين عليه السلام شهادة من حضر هذا المشهد، وعرف المصدر والمورد.

ثم هذا الكميت بن زيد الأسدي (3) وهو غير مشكوك في فصاحته، ومعرفته بالعربية يقول:

ويوم الدوح دوح غدير خم * أبان له الولاية لو أطيعا ولكن الرجال تبايعوها * فلم أر مثلها خطرا منيعا (4) وهذا السيد بن محمد بن الحميري (5) وليس بدون في الفصاحة، ولا بمتأخر في البلاغة يقول من قصيدة:

قالوا له لو شئت أعلمتنا * إلى من الغاية والمفزع فقام في خم النبي الذي * كان بما قيل له يصدع فقال مأمورا وفي كفه * كفه علي لهم تلمع من كنت مولاه فهذا له * مولى فلم يرضوا ولم يقنعوا

Page 43

وعلى ذكر هذه الأبيات فإني مورد حديثا طريفا سمعته في معناه وهو متعلق بها... حكى أن زيد (1) بن موسى بن جعفر بن محمد عليهم السلام، رأى رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام كأنه جالس مع أمير المؤمنين عليه السلام، في موضع عال شبيه بالمسناة، وعليها مراق، فإذا منشد ينشد قصيدة السيد بن محمد الحميري هذه، وأولها:

لأم عمرو باللوى مربع * طامسة أعلامه بلقع (2)

Page 44

حتى إنتهى إلى قوله:

قالوا له لو شئت أعلمتنا * إلى من الغاية والمفزع قال: فنظر رسول الله إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليهما، وتبسم ثم قال: أولم أعلمهم؟ أولم أعلمهم؟ أولم أعلمهم؟ ثلاثا، ثم قال لزيد: إنك تعيش بعدد كل مرقاة رقيتها سنة واحدة، قال: فعددت المراقي فكانت نيفا وتسعين مرقاة، فعاش زيد نيفا وتسعين سنة.

وهو الملقب بزيد النار، وإنما سمي بذلك لأنه لما غلب على البصرة أحرق نفرا من أهلها، وأسواقا كثيرة منها (1).

وما أشد استحساني لجواب كان بعض المتقدمين من الشيعة يجيب به من سأله عن قعود أمير المؤمنين عليه السلام، وتركه طلب الأمر، ودعاء الناس إلى نفسه، وهو أنه كان يقول: أمير المؤمنين عليه السلام كان في هذا الأمر فريضة، من فرائض الله تعالى أداها نبي الله صلى الله عليه وآله إلى قومه، مثل الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، وليس على الفرائض أن تدعوهم إلى أنفسها، وتحثهم على طلبها، وإنما عليهم أن يجيبوها، ويسارعوا إليها، وكان أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الأمر أعذر من هارون لأن موسى عليه السلام لما ذهب إلى الميقات، قال لهارون: " اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين " (2).

فجعله رقيبا عليهم وزعيما لهم، وأن نبي الله تعالى صلى الله عليه وآله نصب عليا عليه السلام لهذه الأمة علما، ودعاهم إليه وحضهم عليه، فعلي عليه السلام في عذر من لزوم بيته، وإرخاء ستره، والناس في حرج حتى يخرجوه من مكمنه، ويستثيروه من مربضه، ويضعوه في الموضع الذي وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وآله.

Page 45