698

Al-Kāshif al-Amīn ʿan Jawāhir al-ʿAqd al-Thamīn

الكاشف الأمين عن جواهر العقد الثمين

[ فخبر الغدير، ] وهو موضع قريب الجحفة بين مكة والمدينة نزل به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرجعه من حجة الوداع يوم ثامن عشر ذي الحجة سنة عشر من الهجرة على صاحبها وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، وكان في أوائل ذلك العام أرسل أمير المؤمنين إلى اليمن، فلما أراد صلى الله عليه وآله وسلم التجهيز للحج كتب إليه أن يوافيه إلى مكة، وكتب صلى الله عليه وآله وسلم إلى الآفاق: أنه حاج من عامه فمن أراد أن يشاهد حجه فليواف إلى مكة، وتجهز معه صلى الله عليه وآله وسلم جل الصحابة، فقام خطيبا في يوم عرفة ويوم النحر يعظ أمته صلى الله عليه وآله وسلم ويعرفهم مناسكهم، وقد اجتمع في ذلك الموسم جم غفير حتى أنه خطبهم على ناقته وهم حوله فما كان يبلغ صوته أقصاهم بل يسمعه أدناهم ويبلغه إلى الأقصى، وفيهم كثير من الأخلاط والمنافقين ومن هو حديث عهد بالإسلام، وقد أمر الله تعالى أن يبلغ في علي عليه السلام كما في بعض الروايات نزلت: {ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك{، في علي عليه السلام يوم عرفة فرأى صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلغ في أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم إجمالا، ولم يصرح بذكر علي عليه السلام تداركا من أن يجاهر برد مقذع أو تكذيب لما في صدور قريش وهوازن على أمير المؤمنين عليه السلام بسبب قتله أشرافهم ورؤسائهم ببدر وحنين وغيرهما وقال: "أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي"، وفي بعض الروايات: كتاب الله وسنتي وأنكم ستردون علي الحوض فأسألكم عن الثقلين فأحف بكم في السؤال. واتكل في عدم ذكره أمير المؤمنين عليه السلام بخصوصه بما يعلم من الحال أنه إذا قد حرضهم وبلغهم وجوب اتباع أهل بيته من بعده صلى الله عليه وآله وسلم، ومن المعلوم أنه لا يصلح للإمامة عقيب وفاته صلى الله عليه وآله وسلم أحد منهم غير أمير المؤمنين كون الحسنين إذ ذاك قاصران عن درجة البلوغ، فقد علم أن عليا عليه السلام هو الإمام بعده صلى الله عليه وآله وسلم فاستغنى بهذا النص الضمني فأنزل الله تعالى عليه: {فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل} [هود:12]، فخرج صلى الله عليه وآله وسلم من مكة وهو ذاعر لما نزلت هذه الآية، فلما وصل الجحفة وكان منها تفرق الطرق إلى البلدان النائية كخيبر وغيرها أنزل الله تعالى عليه: {ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} [المائدة:67] فلم يستجز بعدها أن يمضي حتى يبلغ إلى الناس ما أنزل إليه في علي قبل تفرقهم، فأمر بالتعريس تحت دوحات عظام حول غدير ماء هنالك بواد يقال له: خم، وقمم ما تحتهن من الشوك، وأمر بجمع الناس إليه فاجتمعوا، قال جابر رضي الله عنه: وكنا اثني عشر ألف رجل، وفي رواية أبي الطفيل: من غفاري ومهاجري وبدوي وحضري حتى امتلأ الدوح، وبقي أكثر الناس في الشمس يقي قدميه بردائه من شدة الرمضاء. وفي بعض الروايات: أن منا لمن يضع نصف ردائه تحت قدميه ويرد بقيته على رأسه من شدة حر الشمس. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أيها الناس إن اللطيف الخبير نبأني أنه لم يعش نبي قط إلا نصف عمر الذي قبله، وإني أوشكت أن ادعى فأجيب وأنتم مسئولون، ألا هل بلغتكم ما أرسلت به إليكم فما أنتم قائلون؟ فقالوا: والله لقد بلغت ونصحت فجزاك الله أفضل ما جزى نبيا عن أمته، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هل تشهدون أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله، وأن الجنة حق والنار حق. قالوا: نشهد بذلك. فرفع يده صلى الله عليه وآله وسلم ثم وضعها على صدره، ثم قال: وأنا أشهد بذلك اللهم اشهد. ثم قال: ألا لعن الله من ادعى إلى غير أبيه، لعن الله من تولا غير مواليه، ألا ليس لوارث وصية، ولا تحل الصدقة لآل محمد، ومن كذب علي فليتبوأ مقعده من النار، أيها الناس ألستم تشهدون أن الله مولاي ومولى المؤمنين وأنا أولى بكم من أنفسكم، قالوا: نشهد إنك أولى بنا من أنفسنا. قال فأخذ بيد علي بن أبي طالب عليه السلام ثم قال: من كنت مولاه أولى به من نفسه فعلي مولاه، اللهم وال من ولاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وابغض من أبغضه، وأعن من أعانه، وانصر من نصره، واخذل من خذله. فقال رجل من القوم: ما يألوا ما يرفع محمد بضبع ابن عمه، فسمعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتغير لذلك وجهه فلما علم ذلك الرجل أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم علم به واشتد عليه أقبل إلى علي عليه السلام فقال: هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيد علي الثانية فقال: أيها الناس اسمعوا ما أقول إني فرطكم على الحوض وإنكم واردون علي الحوض حوضا أعرض ما بين صنعاء إلى أيلة فيه كعدد نجوم السماء أقداح إني مصادفكم على الحوض يوم القيامة، ألا وإني مستنقذ رجالا ويختلج دوني آخرون، فأقول: يا رب أصحابي أصحابي فيقال: إنهم أحدثوا وغيروا بعدك، وإني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين فانظروا كيف تخلفوني فيهما. قالوا: وما الثقلان يا رسول الله؟ قال: الأكبر منهما كتاب الله سبب ما بين السماء والأرض طرف بيد الله وطرف بأيديكم فتمسكوا به لا تضلوا ولا تبدلوا، والأصغر منهما عترتي أهل بيتي فقد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فلا تعلموا أهل بيتي فإنهم أعلم منكم، ولا تسبقوهم فتفرقوا، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، ولا تتولوا غيرهم فتضلوا، أيها الناس أطيعوا قولي واحفظوا وصيتي، وأطيعوا عليا فإنه أخي ووزيري وخليفتي على أمتي، فمن أطاعه فقد أطاعني، ومن خالفه فقد خالفني، ألا لعن الله من خالف عليا. ثم أرسل يده فقال: يا علي اكتب ما أوصيتهم به عليهم كتابا. فلما أن كتب وأشهد الله عز وجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإبلاغهم ذلك اليوم أخذ الكتاب وقال لهم بصوت له عال: أيها الناس هل بلغتكم ما في هذا الكتاب؟ فقالوا: اللهم نعم. فقال: اللهم اشهد وكفى بك شهيدا. ثم رفع صوته فقال: أقيلكم . فقالوا: نعوذ بالله ثم بك يا رسول الله من أن تقيلنا أو نستقيلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم اشهد إني قد جعلت عليا علما يعرف به حزبك عند الفرقة هاك يا علي. فناوله الكتاب "، ذكر هذه الرواية صنو المؤلف عليهما السلام الإمام المنصور بالله الحسن بن بدر الدين في أنوار اليقين في إمامة أمير المؤمنين إلا أولها فمن سيرة ابن هشام وغيرها.

وقد روي حديث الغدير هذا من طرق مختلفة عديدة يرويها الموالفون والمخالفون بحيث لا تناكر بين أهل العلم والنقل في ثبوته وإن اختلفت ألفاظهم ورواياتهم وبعضهم يرويها أبسط من بعض، فلا تناكر بينهم في موضع الاحتجاج من الحديث [ وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ألست أولى بكم من أنفسكم قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله. فقال له عمر: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. ]، ودلالة الحديث على المراد ظاهرة لأنه نص صريح في المراد، إن قلنا: إن كلمة مولى صارت في عرف الاستعمال مختصة بمالك التصرف كما قال الأخطل في عبد الملك بن مروان:

فأصبحت مولاها من الناس كلهم .... وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا

أو ظاهرة إن قلنا: إنها بمعنى الأولى كما قال الآخر:

Page 240