601

Al-Kāshif al-Amīn ʿan Jawāhir al-ʿAqd al-Thamīn

الكاشف الأمين عن جواهر العقد الثمين

فنقول: لما كان الكلام فيه بالنظر إلى ما قبله وهي قصة قوم لوط من باب الفصل ذكره بلا عاطف يقتضي وصل هذا الكلام بما قبل فقال: {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى} [النمل:59]، ولم يقل: وقل الحمد لله، ولم يقل: وقل سلام، لأنه لم يسبق أمر بقول ولا غيره فيعطف هذا عليه، فجرد الواو عن قوله: {قل الحمد لله{، وأتى به في قوله: {وسلام على عباده{ وحذف الأمر بقل في: {وسلام{ فيما شمله الأمر، بالقول الأول فالتقدير: قل الحمد لله وقل سلام على عباده الذين اصطفى، وقابل التعريف بالتنكير لأن المقصود من الحمد الشمول والاستغراق، والمقصود من السلام التعظيم دون الشمول والاستغراق، لأن السلام لا يختص به المصطفون من العباد كالملائكة والأنبياء والأوصياء والأئمة بل يشاركهم فيه سائر المؤمنين، إلا أنه في حق المصطفين سلام أي سلام يعني سلام عظيم المقدار جليل الاعتبار لا يناله إلا الذين اصطفى، والمراد بالسلام هاهنا التبجيل والتعظيم والتشريف والتفخيم لا مجرد السلامة من العقاب والذم والاستخفاف فذلك داخل ضمنا فيما ذكر من التبجيل ونحوه، لذلك لم يقل: وسلام على عباده المؤمنين ولا عطف المؤمنين على الذين اصطفى، فيقول: وسلام على عباده الذين اصطفى وعلى المؤمنين، لئلا تفوت كلمة التعظيم الذي هو للمصطفين على سائر المؤمنين، ولئلا يكون ذلك شبهة للجبابرة وأهل العصيان في دعوى الدخول في التسليم بأنهم من جملة المؤمنين، ثم قال: {ءآلله خير أما يشركون} [النمل:59]، لم يذكر الخيرية فيماذا ليعم الخيرية من جميع وجوهها من كونها خيرية كرم ورحمة وعدل وإنصاف وخلق ورزق وصلاح دين ودنيا وإكمال معايش الحيوانات وغير ذلك، فأورد السؤال على المشركين وهو داخل في معمول قل فكأنه تعالى قال للرسول صلى الله عليه وآله وسلم: قل الحمد لله، وقل سلام، وقل الله خير أم الآلهة التي تشركون من الأصنام بدعوى إلاهيتها. وحيث أن البرهان العقلي قد قضى بخيريته تعالى على سبيل العموم، فقد قضى بنفي الخيرية عنها على سبيل العموم، فيفيد هذا السؤال أن الله تعالى خير في جميع الأمور، ولا خيرية في الأصنام رأسا في أي أمر كان، وأتى هنا بما لأن المراد بها ما لا يعقل وهي الأصنام، فإن فرض قصد التعميم لكل ما عبد من دون الله كما عبدت النصارى المسيح عليه السلام، وكمن يعبد الملائكة، وكما عبد أصحاب فرعون وأصحاب النمرود فرعون والنمرود، فذلك من باب التغليب وهو نوع من البديع فغلب الأكثر وحذف العائد ليعم كل مشرك به وتكون الخيرية المحكوم بنفيها بالنظر إلى عيسى والملائكة عليهم السلام إضافية -أي بالنظر إلى خيرية الله تعالى- وما تنفرع عليه من التوحيد واستحقاق العبادة وفعل الخلق والرزق ونحوه، لا مطلقة كما في الأصنام ومن عبد من الجبابرة، لأن في عيسى والملائكة من الخير ما لا يقدر قدره غير أنه لا خيرية في دعوى إلاهيتهم ولا عبادتهم ولا غير ذلك مما يتفرع على الإلهية.

Page 131