595

Al-Kāshif al-Amīn ʿan Jawāhir al-ʿAqd al-Thamīn

الكاشف الأمين عن جواهر العقد الثمين

أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره .... هو المسك ما كررته يتضوع [ ولأن القرآن مشتمل على الإخبار عن الغيوب المستقبلة، ] كقوله تعالى عام الحديبية: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون} [الفتح:27]، وكان ذلك سنة ست من الهجرة، ثم وقع ذلك في عام الفتح وكانت سنة ثمان أو في عمرة القضاء وكانت سنة سبع وهو الأظهر، لأنهم ما كانوا في عام الفتح متلبسين بإحرام يتفرع عليه الحلق والتقصير، وإنما كانوا مدرعين ومتقلدين الأسلحة وكانت الدروع على بعض منهم غامرة جميع جسده حتى لا يرى منهم سوى حدق العيون كما ذلك مذكور في كتب السيرية النبوية على صاحبها وعلى آله أفضل الصلاة والسلام [ وعلى الإخبار عن الأمور الماضية، ] كما أخبر سبحانه وتعالى عن قصص الأنبياء السابقين وإهلاك مكذبيهم وغير ذلك من أخبار الماضين، ثم تتبعنا كتب التواريخ القديمة الحاكية لسيرهم وأخبارهم [ فكان الأمر على ما أخبر في الماضي والمستقبل، ] ولم يكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ممن يكتب ويقرأ المكتوب، ولا نقل عنه أنه كان يختلف إلى علماء التاريخ في عصره صلى الله عليه وآله وسلم ولا أنه أتى إليه أحدهم فأخبره بذلك، فدل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم علمه بذلك مع المطابقة للواقع بما كشفت لنا عنه كتب التواريخ ليس إلا من باب الوحي لأنه إخبار عن المغيبات في حقه صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أشار الله تعالى إلى معنى هذا بقوله تعالى: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا} [العنكبوت:48]، أي لو كنت تتلو كتابا أو تخطه بيمينك لارتاب المبطلون -أي لو وجدوا موجبا للريب وارتابوا استنادا إلى ذلك-، لأنهم كانوا مرتابين بلا سبب كما قال تعالى: { فهم في ريبهم يترددون} [التوبة:45]، بل لمجرد العناد وإيحاء بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا كما قالوا {إنما يعلمه بشر} [النحل:103]، وهو عايش أو يعيش أسلم وحسن إسلامه وكان صاحب كتب،وقيل في اسمه غير ذلك، فأبطل مقالتهم بقوله: {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا{ أي القرآن {لسان عربي مبين} [النحل:103]، فكيف يتأتى صحة قدحهم مع أن لسان الذي يلحدون إليه أي ينسبون إليه أنه علمه صلى الله عليه وآله وسلم القرآن بخلاف لسان القرآن، فالريب المنفي عنهم لانتفاء كونه صلى الله عليه وآله وسلم يتلو كتابا أو يخطه هو الريب عن سبب ظاهر والريب الذي هم فيه هو الريب لا عن سبب، فلا تعارض فيما يدل عليه الكتاب العزيز [ فدل ذلك ] أي المذكور من العجز والإخبار عن المغيبات مع المطابقة [ على كونه ] أي القرآن [ معجزا، لا يقدر عليه أحد من البشر. ]، وقد اختلف في وجه إعجاز القرآن، فالمختار عند أئمتنا عليهم السلام على رواية الأساس والجمهور على وروايته أيضا ومنهاج القرشي: أنه الفصاحة والبلاغة الخارقة لما يعتاد حتى أنه بلغ في ذلك المرتبة التي لا يقدر البشر أجمع على كلام يماثل القرآن أو يدانيه في تلك الفصاحة والبلاغة،وقيل: بل إعجازه في إخباره عن الغيب، وقيل: كون قارئه لا يكل وسامعه لا يمل، وقيل: سلامته من التناقض والاختلاف، وقيل: أمر يحس به ولا يدرك. وكأنه يريد هذا القائل حلاوة تلاوته واستماعه، وقيل: الصرفة. أي كون الله عز وجل صرف الخلق عن أن يأتوا بمثله، ولا مانع من هذه الأوجه أو بعضها منضما إلى الأول فلا حاجة إلا الاشتغال بإبطالها كما هو عادة كثير من المؤلفين رحمهم الله تعالى.

ولنذكر شاهدين من آي الكتاب التي يعلم بها بلوغ القرآن أعلى درجة في الفصاحة:

Page 121