435

Al-Kāshif al-Amīn ʿan Jawāhir al-ʿAqd al-Thamīn

الكاشف الأمين عن جواهر العقد الثمين

ويبطل أقوالهم الجميع اتفاق العقلاء أنهم متى رأوا رجلا يعمد إلى طفل يضربه أشد الضرب ثم يقطع أوصاله ويكسر عظامه ويبين مفاصله، فإنهم كافة ملحدهم وموحدهم وأقصاهم وأبعدهم يبادرون إلى ذمه وإلى مدافعته عن ذلك الطفل ويحكمون فيه بالجنون إن لم يكن عاقلا، أو بفرط الظلم والجراءة إن ظهر لهم فيه أمارة عقل قبل أن يلتفتوا هل هو مملوكه أم لا؟ وهل الفاعل منهيا أم مربوبا أم لا؟ ومن دون نظر هل الطفل موضع لذلك الإضرار أم لا؟ على أن ما فعله هذا الرجل بالطفل لا نسبة له في الإضرار من التعذيب بالنار على سبيل الأبد، وعلى أن ما يفعله الرجل مع تجويز الجهل أو الحاجة من تشفي بعدو له يقرب إليه الطفل يكون في القبح دون ما لو صدر من عالم مستغن عنه، فكيف بصدور ذلك عن أعلم العالمين وأغنى المستغنيين عن القبيح وأحكم الحاكمين في الفعل المليح؟! وأين منتهى قبح تعذيب أوليائه على سبيل الأبد، فما هو إلا ظلم ضرورة لا يسمع ما يقدح به فيها كما هو المقرر في علم المعقول: أنه لا سماع لما يقدح في الضروريات والبديهيات، وإلا ارتفعت الثقة بالمشاهدات وبطلت الأدلة المنتهية إلى الضرورات والبديهات، وإذا كان تعذيب من لا يستحق التعذيب ظلما [ والظلم قبيح، ] بضرورة العقل وبديهته [ و] جب القطع ببطلان هذه المقالة لما قد علم في أول الباب واتفقت عليه عبارة الجميع من العدلية والجبرية و[ هو أنه تعالى لا يفعل القبيح، ]، وهذا أصل ينبني عليه جميع مسائل العدل ما سلف منها وما بقي، فتقرر بهذه الدلالة العقلية بطلان القول فيما يذهب إليه أهل الجبر من جواز تعذيب من لا يستحق وإثابة من لا يستحق.

وأما الدلالة السمعية:

فهي أيضا متقررة معلومة لأنه قد [ قال تعالى: {فكلا أخذنا بذنبه} [العنكبوت:40]، وقال تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام:164] ]، فنفى أن تحمل نفس مذنبة ذنب مذنبة أخرى، فكيف بالتي لا ذنب لها؟.

Page 479