371

Al-Kāshif al-Amīn ʿan Jawāhir al-ʿAqd al-Thamīn

الكاشف الأمين عن جواهر العقد الثمين

إن صح ذا فتعوذوا من ربكم .... وذروا تعوذكم من الشيطان ولا تنخدع أيها الطالب الرشاد بلوامع سراب الكسب الكذب الذي يلجأ إليه الأشعري عند العناد، فذلك في التحقيق أوهن من نسج العنكبوت وهو بنص الكتاب لأوهن البيوت، لأنه يعود السؤال بعد اللجاء إليه والتعويل بعد انقطاع حججهم عليه بأن يقال: وهل الكسب شيء خلقه الله تعالى كان جبرا من جهتين وافتراءا عليه بصورتين، أم لم يخلقه الله؟ فكان يكفيهم الإقرار بأن الفعل لم يخلقه الله وينزهوا الله عن كل قبيح ورذيلة، ويجعلون الفعل جميعه من جهة العبد وقبيله لتستقيم معاني الآيات الكريمة على مقتضى فطرة العقول السليمة، غير أن الله سبحانه وتعالى له المنة العظمى على التوفيق والهداية ودعاء الخلق إلى الإيمان وتمكينهم منه وترغيبهم في فعله بوضع الثواب الدائم الجزيل لفاعله والزيادة في مضاعفته والتكرم بزيادة السوم على نفسه حتى جعل الحسنة بعشر أمثالها وسبع مائة ضعف في بعض الأعمال وإلى ما لا حصر له في بعضها، ولولا هذه المقدمات المعدودة التي لا تكون عند غيره تعالى موجودة لما حصل الإيمان من أحد قال تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء} [النور:21]، وهو الذي ينقاد ويذعن لحكمه، ويجيب أول صوت من داعيه ويستهديه ويستجديه ويترك المراء والجدال بالباطل فيدخل في زمرة من يشاء أن يزكيه كما قال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} [محمد:17]، وله عز وجل الحجة البالغة على العصاة والمبطلين والكفرة المشركين والمعطلين، حيث أنه عز وجل خلق لهم العقول القابلة التفكر الموصلة إلى معرفته في ملكوت السماوات والأرضين وما بينهما، وفي أنفسهم فرفضوا عقولهم عن أن يتفكروا، بها ومالوا إلى اتباع الشياطين في دعائهم إلى الإلحاد والسعي في الأرض بالفساد، والميل إلى الطمع، وهوى النفس، وحب الرئاسة، والتقرب إلى كبرائهم وسلاطينهم وملوكهم لما في أيديهم من متاع الحياة الدنيا، وخلق لهم الأسماع والأبصار وسائر الحواس والجوارح مع صحة الأبدان، وتكفل بأرزاقهم من الوجوه التي يحل تناولها منها، فرفضوا إعمال الأسماع والأبصار وسائر الجوارح في طاعته والسعي على النفس ومن تعبده بالإنفاق عليه من الوجوه الجائزة، وأعملوا أسماعهم وأبصارهم وسائر حواسهم وجوارحهم في غير ما خلقت له، وتناولوا الحرام واتبعوا الشهوات واللذات والرئاسات والتقرب إلى سلاطينهم فمنعهم الله التوفيق والهداية التي اقتضت الحكمة استحقاقهما لمن انقاد وأذعن لما فطر الله العقول عليه، فأما دعاؤهم إلى الإيمان مع التمكين منه والترغيب فيه بوضع الثواب الجزيل والمضاعفة والزيادة في المساومة، فقد فعله لهم على حسب ما هو عليه في حق المؤمن بلا فرق، فأعرضوا عن إجابة داعيه، وكذبوا من بلغهم ذلك من رسله وسائر أوليائه وتجاوزوا ذلك إلى أن عادوهم وقاتلوهم وشردوهم وطردوهم، ولما لم تتم لهم تلك المآرب إلا بارتكاب الجرائم والعظائم وتحريف العقائد الصحيحة عن مقتضى الفطرة، وضع لهم علماء السوء وأهل الإلحاد شبها وأوهاما يتوصلون بها إلى نيل مراداتهم وجعلوها أصولا باعتقاداتهم بعد أن فرقوهم فرقا وأحزابا كل حزب بما لديهم فرحون وكل في طغيانهم يعمهون يمرحون، وانتصب من كل فريق منهم أمير، وجميعهم ممن يجادل في الله بغير سلطان ولا هدى ولا كتاب منير، ويوم القيامة يتبرأ التابع من المتبوع ويكفر بعضهم ببعض وما لهم من دون الله من ولي ولا نصير، وقد أشار الله تعالى إلى معنى ذلك بقوله: {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } [الأحقاف:26]، فأخبر سبحانه وهو أصدق القائلين أنه مكنهم كما مكن المؤمنين المخاطبين بقوله { مكناكم{ وأن أسماعهم وأبصارهم وأفئدتهم وهي العقول صحيحة لأنه على تقدير الشبيه المفهوم من أول السياق، وهو أن المعنى كالأسماع والأبصار والأفئدة التي جعلناها لكم فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء لأنهم أعملوها في نقيض ما خلقت له وهو التفكر في ملكوت السماوات والأرض وما بينهما وفي أنفسهم حتى يعلموا بطلان ما شغلوها به من تحرير شبه الإلحاد والضلال وعصيانه تعالى، وعبادة غيره ودعوى إلهية الأصنام والحجارة، وقتل رسله والأئمة الهادين إلى ما بعثوا به يدل على صلاحية الأسماع والأبصار والأفئدة لما خلقت له وهي معرفة الله وطاعته تعالى، تعليله: عدم انتفاعهم بها بجحدهم الآيات الظاهرة لهم والبراهين القائمة عليهم حيث يقوله أصدق القائلين: { إذ كانوا يجحدون بآيات الله{وأنهم كانوا يستهزئون الأمر مع أنه جد وحق لا يستهزأ ولا يرتاب في مثله فقال: {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون{، واقتضى الكلام أن عقولهم قد عرفت الحق فجحدته هزاء وكانت متمكنة من معرفته وقبوله فتركت النظر والتفكر الموصل إليه، فمن ثمه أخبر عنهم في بعض الآيات أنهم جحدوا ذلك مع العلم لكن استخفافا وهزوا وظلما وعلوا على الله تعالى وعلى أوليائه الداعين إليه كما في هذه الآية.

Page 407