352

Al-Kāshif al-Amīn ʿan Jawāhir al-ʿAqd al-Thamīn

الكاشف الأمين عن جواهر العقد الثمين

فتأمل رحمك الله تعسفهم وتلعبهم بآيات الله،وهل يستقيم هذا التأويل مع قوله تعالى: { هل عندكم من علم فتخرجوه لنا{، لأنه لو كان ما قالوه صحيحا ثابتا في نفس الأمر وإنما كان كذبهم من حيث لم يعتقدوه على حسب ما نطقوا به لما صح أن يناقضهم مقتضاه ولكان يجب أولا أن يقرر ظاهر اللفظ ثم يكذبهم حيث لم يعتقدوه كما في آية المنافقون: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله } [المنافقون:1]، فقال عز من قائل مقررا لمقتضى اللفظ: {والله يعلم إنك لرسوله} [المنافقون:1]، ثم قال: {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون{، فلولا أنه وسط قوله: {والله يعلم إنك لرسوله{ لاستلزم تكذيب قولهم: {إنك لرسول الله{. فكذلك كان يجب مثل ذلك في آيات المشيئة وكيف يصح هذا التأويل العجيب وقد قال تعالى بعد قولهم: {لو شاء الرحمان ما عبدناهم { فقال: {ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون o أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون } [الزخرف:20،21]، في زعمهم أن الله شاء أن يعبدوا الأصنام فذرهم وما يفترون ودعهم في ضلالهم يمترون، ويقال لهم: قد حكى الله عن المشركين أنهم قالوا: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} [الأعراف:28]، إذا كان الله قد تنزه عن الأمر بالفحشاء فهو أن يتنزه عن فعلها أولى وأحرى، لأن فاعل القبيح أدخل في استحقاق الذم والعقاب من الآمر به لذلك يقال: ليس الآمر مع وجود المباشر، ويقال لهم: قال تعالى: {فأما من طغى o وآثر الحياة الدنيا o فإن الجحيم هي المأوى o وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى o فإن الجنة هي المأوى } [النازعات:من37-41]، وقال تعالى: {قد أفلح من زكاها o وقد خاب من دساها } [الشمس:10،11]، هل كان تعالى فاعل هذه الأفعال؟ إذا كان هو المراد بالمدح والذم، وكيف يتبعه الوعد والوعيد، أم العبد فاخرجوا عن مناقضه يا شر العبيد.

ولما فرغ من المسألة الأولى من مسائل العدل وهي: أن الله تعالى عدل حكيم، أخذ فيما يتفرع عليها من سائر مسائل الباب، وقدمت على الجميع لأنها أم الباب فهي من جميع مسائل العدل بمنزلة مسألة: إثبات الصانع تعالى من جميع مسائل التوحيد، وقدم بعدها مسألة: أن أفعال العباد منهم لا من الله تعالى، لأن ما بعدها مترتب عليها وفروع تنتمي إليها فقال عليه السلام:

I

Page 385