493

Al-Kāmil fī al-lugha waʾl-adab

الكامل في للغة والأدب

Editor

محمد أبو الفضل إبراهيم

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الطبعة الثالثة ١٤١٧ هـ

Publication Year

١٩٩٧ م

Publisher Location

القاهرة

وقوله: "راءَني" يريد "رآني"، ولكنه قلب؛ فأخر الهمزة. ونظير هذا من الكلام قسيٌّ وإنما الأصل قؤوسٌ ولما أخرَ الواوين أبدل منهما، ياءين، كما يجب في الجمع، وتقول: دلو ودلويٌّ، وعاتٍ وعتيٌّ، وإن شئت قلت: عتي ودليُّ، من أجدل الياء، فإن كان فعولٌ لواحدٍ قلت: عتو. ويجوز القلبُ، والوجه في الواحد إثبات الواوِ، كما تقولُ: مغزوٌّ ومدعوٌّ ويجوز مغزيٌّ وفي القرآن ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ ١ وقال: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ ٢ وقال: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ ٣ والأصل مرضوةٌ لأنه من الواو، من الرضوان. ومن القلب قولهم طأمن ثم قالوا: اطمأن، فأخروا الهمزة وقدموا الميم، ومثل هذا كثيرٌ جدًا.
وقوله: "هذا هامةُ اليوم أو غدِ"، يقول: ميت في يومه أو في غدِهِ، يقال: إنما فلانٌ هامةٌ أي يصير في قبره، وأصل ذلك شيءٌ كانت العربُ تقوله، قد مضى تفسيره.

١ سورة الفرقان ٢١.
٢ سورة مريم ٦٩.
٣ سورة الفجر ٢٨.
إسحاق الموصلي والرشيد
وحدثني عبد الصمد بن المعذل قال: سمعتُ إسحاق بن إبراهيم الموصلي يتحدث قال: حججت من أمير المؤمنين الرشيد، فلما قفلنا فنزلنا المدينة آخيت بها رجلًا كان له سنٌّ ومعرفةٌ وأدبٌ، فكان يمتعني، فني ذات ليلةٍ في منزلي إذا أنا بصوته يستأذن عليَّ، فظننت أمرًا قد فدحه ففزع فيه إلي، فأسرعت نحو الباب، فقلتُ: ما جاء بك؟ فقال: إذن أخبركَ: دعاني صديقٌ لي إلى طعام عتيدٍ١، وشرابٍ قد التقى طرفاهُ، وشواءٍ رشراشٍ، وحديثٍ ممتعٍ، وغناءٍ مطربٍ؛ فأجبته، وأقمتُ معه إلى هذا الوقت، فأخذت مني حميًا الكأسِ مأخذها، ثم غنيتُ بقول نصيبٍ:
بزينب ألمم قبل أن يرحل الركبُ ... وقل إن تملينا فما ملكِ القلبُ
فكدت أطير طربًا، ثم وجدتُ في الطرب نقصًا إذ لم يكن معي من يفهم ذا كما فهمته، ففزعت إليك لأصف لك هذه الحال، ثم أرجع إلى صاحبي، وضرب نعليه موليًا عني! فقلت: قف أكلمك، فقال: ما بي إلى الوقوف إليك من حاجةٍ.

١ عتيد: معتد.

2 / 189