918

Al-Jawāhir al-Ḥisān fī tafsīr al-Qurʾān

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

قيامه يكسوه من كل آية يقرأها حال يناسب معنى تلك الآية وكذلك ينبغي أن تكون تلاوة القرآن وأن لا يكون تاليه كمثل الحمار يحمل اسفارا انتهى وقوله تعالى أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب الآية تقرير بمعنى التعجيب والمعنى أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كالمنعمين في الجنة قال مجاهد يتقي بوجهه أي يجر على وجهه في النار وقالت فرقة ذلك لما روي أن الكافر يلقي في النار مكتوفا مربوطة يداه الى رجليه مع عنقه ويكب على وجهه فليس له شيء يتقي به الا وجهه وقال فرقة المعنى في ذلك صفة كثرة ما ينالهم من العذاب يتقيه بكل جارحة منه حتى بوجهه الذي هو أشرف جوارحه وهذا المعنى أبين بلاغة ثم مثل لقريش بالأمم الذين من قبلهم وما نالهم من العذاب في الدنيا المتصل بعذاب الآخرة الذي هو أكبر ونفى الله سبحانه عن القرآن العوج لأنه لا اختلاف فيه ولا تناقض ولا مغمز بوجه وقوله سبحانه ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون الآية هذا مثل ضربه الله سبحانه في التوحيد فمثل تعالى الكافر العابد للأوثان والشياطين بعبد لرجال عدة في أخلاقهم شكاسة وعدم مسامحة فهم لذلك يعذبون ذلك العبد بتضايقهم في أوقاتهم ويضايقون العبد في كثرة العمل فهو ابدا في نصب منهم وعناء فكذلك عابد الأوثان الذي يعتقد أن ضره ونفعه عندها هو معذب الفكر بها وبحراسة حاله منها ومتى توهم أنه أرضى ضما بالذبح له في زعمه تفكر فيما يصنع مع الآخر فهو ابدا تعب في ظلال وكذلك هو المصانع للناس الممتحن بخدمة الملوك ومثل تعالى المؤمن بالله وحده بعبد لرجل واحد يكلفه شغله فهو يعمله على تؤدة وقد ساس مولاه فالمولى يغفر زلته ويشكره على اجادة عمله ومثلا مفعول بضرب ورجلا نصب على البدل ومتشاكسون معناه لا سمح في أخلاقهم بل فيها لجاج وقرأ ابن كثير وأبو عمرو سالما أي سالما من الشركة ثم وقف تعالى الكفار بقوله هل يستويان مثلا ونصب مثلا على التمييز وهذا التوقيف لا يجيب عنه أحدا الا بأنهما لا يستويان فلذلك عاملتهم العبارة الوجيزة على أنهم قد أجابوا فقال الحمد لله أي على ظهور الحجة عليكم من أقوالكم وباقي الآية بين والاختصام في الآية قيل عام في المؤمنين والكافرين قال ع ومعنى الآية عندي أن الله تعالى توعدهم بأنهم سيتخاصمون يوم القيامة في معنى ردهم في وجه الشريعة وتكذيبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وروى الترمذي من حديث عبد الله بن الزبير قال لما نزلت ثم انكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون قال الزبير يا رسول الله أتكر علينا الخصومة بعد الذي كان بيننا في الدنيا قال نعم قال أن الأمر أذن لشديد انتهى وقوله تعالى فمن اظلم ممن كذب على الله الآية الاشارة بهذا الكذب الى قولهم أن لله صاحبة وولدا وقولهم هذا حلال وهذا حرام افتراء على الله ونحو ذلك وكذبوا أيضا بالصدق وذلك تكذيبهم بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ثم توعدهم سبحانه توعدا فيه احتقارهم بقوله اليس في جهنم مثوى للكافرين وقرأ ابن مسعود والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به والصدق هنا القرآن والشرع بجملته وقالت فرقة الذي يراد به الذين وحذفت النون قال ع وهذا غير جيد وتركيب جاء عليه يرد ذلك بل الذى هاهنا هي للجنس والآية معادلة لقوله فمن أظلم قال قتادة وغيره الذي جاء بالصدق هو محمد عليه السلام والذي صدق به هم المؤمنون وهذا اصوب الأقوال وذهب قوم الى أن الذي صدق به أبو بكر وقيل علي وتعميم اللفظ اصوب وقوله سبحانه أولائك هم المتقون قال ابن عباس اتقوا الشرك وقوله تعالى ليكفر يحتمل أن يتعلق بقوله المحسنين اي الذين احسنوا لكي يكفر وقاله ابن زيد ويحتمل ان يتعلق بفعل مضمر مقطوع مما قبله تقديره يسرهم الله لذلك ليكفر لأن التكفير لا يكون الا بعد التيسير للخير وقوله تعالى اليس الله بكاف عبده وتقوية لنفس النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ حمزة والكسائي عباده يريد الأنبياء وأنت يا محمد أحدهم فيدخل في ذلك المؤمنون المطيعون والمتولكون على الله سبحانه وقوله سبحانه ويخوفونك بالذين من دونه أي بالذين يعبدون وباقي الآية بين وقد تقدم تفسير نظيره وقوله تعالى فمن اهتدى فلنفسه أي فلنفسه عمل وسعى ومن ضل فعليها جنى ثم نبه تعالى على آية من آياته الكبرى تدل الناظر على الوحدانية وأن ذلك لا شركة فيه لصنم وهي حالة التوفي وذلك أن ما توفاه الله تعالى على الكمال فهو الذي يموت وما توفاه توفيا غير مكمل فهو الذي يكون في النوم قال ابن زيد النوم وفاة والموت وفاة وكثر الناس في هذه الآية وفي الفرق بين النفس والروح وفرق قوم بين نفس التميز ونفس التخيل الى غير ذلك من الأقوال التي هي غلبة ظن وحقيقة الأمر في هذا هي مما استأثر الله به وغيبه عن عباده في قوله قل الروح من أمر ربي ويكفيك أن في هذه الآية يتوفى الأنفس وفي الحديث الصحيح أن الله قبض أرواحنا حين شاء وردها علينا حين شاء وفي حديث بلال في الوادي فقد نطقت الشريعة بقبض الروح والنفس وقد قال تعالى قل الروح من أمر ربي والظاهر أن الخوض في هذا كله عناء وإن كان قد تعرض للقول في هذا ونحوه ائمة ذكر الثعلبي عن ابن عباس أنه قال في ابن آدم نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس فالنفس هي التي بها العقل والتمييز والروح هي التي بها النفس والتحرك فاذا نام العبد قبض الله تعالى نفسه ولم يقبض روحه وجاء في آداب النوم وأذكار النائم أحايث صحيحة ينبغي للعبد أن لا يخلي نفسه منها وقد روى جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اذا أوى الرجل الى فراشه ابتدره ملك وشيطان فيقول الملك اختم بخير ويقول الشيطان اختم بشر فان ذكر الله تعالى ثم نام بات الملك يكلؤه فان استيقظ قال الملك افتح بخير وقال الشيطان افتح بشر فان قال الحمد لله الذي رد الي نفسي ولم يمتها في منامها الحمد لله الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا ان امسكهما من أحد من بعده انه كان حليما غفورا الحمد لله الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض الا باذنه ان الله بالناس لرؤوف رحيم فان وقع من سريره فمات دخل الجنة رواه النسائي واللفظ له والحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم وزاد آخره الحمد لله الذي يحي الموتى وهو على كل شيء قدير انتهى من السلاح وفيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قال حين يأوى الى فراشه لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله أكبر غفرت له ذنوبه أو خطاياه شك مسعر وإن كانت مثل زبد البحر رواه ابن حبان في صحيحه ورواه النسائي موقوفا انتهى وروى الترمذي عن أبي امامة قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول من أوى الى فراشه طاهرا يذكر الله حتى يدركه النعاس لم ينقلب ساعة من الليل يسئل الله شيئا من خير الدنيا والآخرة الا أعطاه اياه انتهى والأجل المسمى في هذه الآية هو عمر كل انسان والضمائر في قوله تعالى أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون للأصنام وقوله تعالى واذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة الآية قال مجاهد وغيره في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم سورة النجم عند الكعبة بمحضر من الكفار وقرأ أفرأيتم اللات والعزى الآية والقي الشيطان يعني في اسماع الكفار تلك الغرانقة العلى على ما مر في سورة الحج فاستبشروا واشمأزت نفوسهم معناه تقبضت كبرا وانفة وكراهية ونفورا وقوله تعالى قل اللهم فاطر السموات الآية أمر لنبيه عليه السلام بالدعاء اليه ورد الحكم الى عدله ومعنى هذا الأمر تضمن الاجابة وقوله تعالى وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون قال الثعلبي قال السدي ظنوا أشياء أنها حسنات فبدت سيئات قال ع قال سفيان الثوري ويل لأهل الرياء من هذه الآية وقال عكرمة بن عمار جزع محمد بن المنكدر عند الموت فقيل له ما هذا فقال أخاف هذه الآية وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون وقوله تعالى ثم اذا خولناه نعمة منا الآية قال الزجاج التخويل العطاء عن غير مجازاة والنعمة هنا عامة في المال وغيره وتقوى الاشارة الى المال بقوله انما اوتيته على علم قال قتادة يريد انما اوتيته على علم مني بوجه المكاسب والتجارات ويحتمل أن يريد على علم من الله في واستحقاق حزته عند الله ففي هذا التأويل اغترار بالله وفي الأول اعجاب بالنفس ثم قال الله تعالى بل هي فتنة أي ليس الأمر كما قال بل هذه الفعلة به فتنة له وابتلاء ثم أخبر تعالى عمن سلف من الكفرة أنهم قد قالوا هذه المقالة كقارون وغيره فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون من الأموال والذين ظلموا من هؤلاء المعاصرين لك يا محمد سيصيبهم سيئات ما كسبوا قال أبو حيان فما أغنى يحتمل أن تكون ما نافية أو استفهامية فيها معنى النفي انتهى وقوله تعالى قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله الآية هذه الآية عامة في جميع الناس الى يوم القيامة فتوبة الكافر تمحو ذنبه وتوبة العاصي تمحو ذنبه على ما تقدم تفصيله واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال عطاء بن يسار نزلت في وحشي قاتل حمزة وقال ابن اسحاق وغيره نزلت في قوم بمكة آمنوا ولم يهاجروا وفتنتهم فريش فافتتنوا ثم ندموا وظنوا أنهم لا توبة لهم فنزلت الآية فيهم منهم الوليد بن الوليد وهشام بن العاصي وهذا قول عمر بن الخطاب وأنه كتبها بيده الى هشام بن العاصي الحديث وقالت فرقة نزلت في قوم كفار من

Page 60