Al-Jawāhir al-Ḥisān fī tafsīr al-Qurʾān
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
وقوله سبحانه خالدين فيها ما دامت السموات والأرض يروى عن ابن عباس أن الله خلق السماوات والأرض من نور العرش ثم يردهما إلى هنالك في الآخرة فلهما ثم بقاء دائم وقيل معنى ما دامت السماوات والأرض العبارة عن التأبيد بما تعهده العرب وذلك ان من فصيح كلامها إذا أرادت أن تخبر عن تأبيد شيء أن تقول لا أفعل كذا وكذا أمد الدهر وما ناح الحمام وما دامت السماوات والأرض وقيل غير هذا قال ص وقيل المراد سماوات الآخرة وأرضها يدل عليه قوله يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات انتهى وأما قوله إلا ما شاء ربك في الاستثناء ثلاثة أقوال أحدها أنه متصل أي إلا ما شاء ربك من أخراج الموحدين وعلى هذا يكون قوله فأما الذين شقوا عام في الكفرة والعصاة ويكون الاستثناء من خالدين وهذا قول قتادة وجماعة الثاني أن هذا الاستثناء ليس بمتصل ولا منقطع وإنما هو على طريق الاستثناء الذي ندب إليه الشرع في كل كلام فهو على نحو قوله لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله الثالث إن إلا في هذه الآية بمعنى سوى والاستثناء منقطع وهذا قول الفراء فإنه يقدر الاستثناء المنقطع بسوى وسيبويه يقدره بلكن أي سوى ما شاء الله زائد على ذلك ويؤيد هذا التأويل قوله بعد عطاء غير مجذوذ وقيل سوى ما أعد الله لهم من أنواع العذاب واشد من ذلك كله سخطه سبحانه عليهم وقيل الاستثناء في الآيتين من الكون في النار والجنة وهو زمان الموقف وقيل الاستثناء في الآية الأولى من طول المدة وذلك على ما روي أن جهنم تخرب ويعدم أهلها وتخفق أبوابها فهم على هذا يخلدون حتى يصير أمرهم إلى هذا قال ع وهذا قول محتمل والذي روي ونقل عن ابن مسعود وغيره أن ما يخلى من النار إنما هو الدرك الأعلى المختص بعصاة المؤمنين وهذا الذي يسمى جهنم وسمى الكل به تجوزا ت وهذا هو الصواب إن شاء الله وهو تأويل صاحب العاقبة أن الذي يخرب ما يخص عصاة المؤمنين وتقدم الكلام على نظير هذه الآية وهو قوله في الأنعام خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم قال ع والأقوال المترتبة في الاستثناء الأول مرتبة في الاستثناء الثاني في الذين سعدوا إلا تأويل من قال هو استثناء المدة التي تخرب فيها جهنم فإنه لا يترتب هنا والمذوذ المقطوع والإشارة بقوله مما يعبد هؤلاء إلى كفار العرب وانا لموفوهم نصيبهم غير منقوص معناه من العقوبة وقال الداودي عن ابن عباس وانا لموفوهم نصيبهم غير منقوص قال ما قدر لهم من خير وشر انتهى
وقوله ولقد آيتنا موسى الكتاب فاختلف فيه أي اختلف الناس عليه فلا يعظم عليك يا محمد أمر من كذبك وقال ص فيه الظاهر عوده على الكتاب ويجوز أن يعود على موسى وقيل في بمعنى على أي عليه انتهى والكلمة هنا عبارة عن الحكم والقضاء
لقضي بينهم أي لفصل بين المؤمن والكافر بنعيم هذا وعذاب هذا ووصف الشك بالريب تقوية لمعنى الشك فهذه الآية يحتمل أن يكون المراد بها أمة موسى ويحتمل أن يراد بها معاصرو النبي صلى الله عليه وسلم وأن يعمهم اللفظ أحسن ويؤيده قوله وإن كلا وقرأ نافع واين كثير وإن كلا لما وقرأ أبو عمرو والكسائي بتشديد إن وقرأ حمزة وحفص بتشديد إن وتشديد لما فالقراءتان المتقدمتان بمعنى فإن فيهما على بابها وكلا اسمها وعرفها أن تدخل علىخبرها لام وفي الكلام قسم تدخل لامه أيضا على خبر أن فلما اجتمع لامان فصل بينهما بما هذا قول أبي علي والخبر في قوله ليوفينهم وهذه الآية وعيد ومعنى الآية إن كل الخلق موفى عمله
وقوله عز وجل فاستقم كما أمرت ومن تاب معك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستقامة وهو عليها إنما هو أمر بالدوام والثبوت وهو أمر لسائر الأمة وروي أن بعض العلماء رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال يا رسول الله بلغنا عنك أنك قلت شيبتني هود وأخواتها فما الذي شيبك من هود فقال له قوله عز وجل فاستقم كما أمرت قال ع والتأويل المشهور في قوله عليه السلام شيبتني هود وأخواتها أنه إشارة إلى ما فيها مما حل بالأمم السالفة فكان حذره على هذه مثل ذلك شيبه عليه السلام
Page 220