Jawāhir al-kalām

جواهر الكلام

Editor

تحقيق وتعليق : الشيخ عباس القوچاني

Edition

الثانية

Publication Year

1365 ش

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي ختم الشرائع بأسمحها طريقة. وأوضحها حقيقة، وأظهرها برهانا، وأكثرها أعوانا. واصطفى لوحيه أشرف الأنبياء قبيلة، وأقربهم إليه وسيلة المبعوث آخر الأمم محمد (صلى الله عليه وآله) وعترته الذين هم لمعجزة نبوته وقرآن معجزته وآية رسالته.

وبعد فيقول العبد القاصر العاثر (محمد حسن بن المرحوم الشيخ باقر) أحسن الله إليهما وأذاقهما حلاوة نشأتيهما: إني قد رأيت (كتاب الشرائع) من مصنفات الإمام المحقق المدقق (نجم الملة والدين) أسكنه الله في أعلى عليين قرآنا في الأحكام الشرعية، وفرقانا في العلوم الفقهية، فائقا من تقدمه إحاطة وجزالة وإتقانا، وأنموذجا لمن تأخر عنه، ولسانا. وكثيرا ما كنت أتمنى وأرجو من الله سبحانه فضلا منه ومنا أن أمزجه بشرح يكشف للناظرين لثام قواعده ويفتق أكمام شقائقه، ويخرج للعارفين كنوز فوائده ويوضح للمتأملين رموز دقائقه، ويعرف الماهر الخبير انطباق المسائل على قواعدها وارتباط الدلائل بمقاصدها، ويوقف الناقد البصير على مزال أقدام شراحه، ويرفع الاجمال، ويدفع الاشكال عن المطالب بحسن تحريره وإيضاحه، ويشتمل على ذكر الأقوال ومستندها بأوجز عبارة، وبين الحال في تزييف غير

Page 2

معتمدها تصريحا وإشارة. لكن العوائق تمنعني والحوادث تردعني، غير أني قابلتها.

بعزمة دونها العيوق منزلة وساعد ليس تثنية الملمات - فاستخرت الله عز وجل وشرعت فيما كنت أتسوف وأتعلل، وسميته (جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام) والله سبحانه أسأل أن يجعله خير الزاد ليوم المعاد، وأن يقرنه بالتوفيق لتمام المراد ويمده بالتأييد والسداد، فإنه أكرم من سئل فجاد. قال قدس سره:

(كتاب الطهارة) الكتاب: مصدر ثان لكتب من الكتب بمعنى الجمع، أو ثالث بادخال الكتابة، أو رابع بادخال الكتبة. أي هذا مكتوب فيه مباحث الطهارة، أو مجموعة مسائل الطهارة، أو ما يجمع به مباحثها، كالنظام لما ينظم به. ويحتمل أن يكون منقولا عرفيا. كما أنه ربما احتمل أن يكون مجموع الكلمتين علم جنس أو اسم جنس لما يتعلق بها، ولا يضر تفاوتها زيادة ونقصا، وإن قدح ذلك في العلم الشخصي.

لكنه مع بعده في نفسه يزيده إعادته بلفظها أو بضميرها وذكر التعريف، فليتأمل.

وعبر عما يجمعها بالكتاب دون المقصد والمطلب، لاتحاد مسائله بالجنس واختلافها بالنوع، بخلاف الثاني فإنه اسم لما يجمع المسائل المتحدة في النوع المختلفة في الصنف، ومثله الباب والفصل. والثالث فإنه للمتحدة في الصنف المختلفة بالشخص. كذا قيل لكنه غير مطرد، نعم الظاهر أن المناسبة بين مسائل المقصد والمطلب يعتبر كونها أتم من مسائل الكتاب.

و (الطهارة) مصدر طهر بضم العين وفتحها، والأسم الطهر لغة: النظافة والنزاهة يقال: ثياب طاهرة، أي من القذر والوسخ، وهو المناسب للاستعارة للذنوب والحيض

Page 3

وسوء الخلق، ولذا استدل على ذلك بقوله تعالى: (ويطهركم تطهيرا) (1) (وأزواج مطهرة) (2) أي من الحيض وسوء الخلق. ولعله ظاهرا من باب استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، أو في القدر المشترك، وهو أولى و (إن الله اصطفاك وطهرك) (3) أي نزهك و (أناس يتطهرون) (4) أي ينتزهون، وفي القاموس: إن الطهارة نقيض النجاسة، وعن الطراز: طهر طهرا بالضم وطهارة بالفتح، نظف ونقي من النجس والدنس. وهما يرجعان إلى ما تقدم.

وعرفا على ما هو المعروف كما قيل، بل عن آخر أنه عليه أكثر علمائنا (اسم للوضوء أو الغسل أو التيمم على وجه له تأثير في استباحة الصلاة) فيخرج وضوء الحائض والتجديدي والأغسال المندوبة ووضوء الجنب والتيمم للنوم ونحو ذلك. أو أنها لها مع التأثير في العبادة إباحة أو كمالا، فيدخل فيها بعض ما تقدم، وإن خرج منها أيضا الأغسال للأوقات والغسل بعد التوبة فهي أعم من الأول. أو أنها لها مطلقا، فيدخل فيها جميع ما ذكرنا. أو أنها لها على أحد الوجوه الثلاثة مع إزالة الخبث الشرعي. فتكون حينئذ الاحتمالات ستة. لكن الظاهر مراعاة الصحة في السابقين:

إما لأن لفظ الطهارة خارج من بين أسماء العبادات فلا يجري فيه النزاع أنها للأعم أو للصحيح. بعد اعتبار الاستباحة فعلا في مفهومها على وجه لا يكون الفاسد طهارة، أو يكون المعرف إنما هو الصحيح. وكيف كان فهل هي عبارة عن نفس الأفعال، أو الحالة الحاصلة بعدها من الإباحة، أو ما يجده الانسان من القرب الروحاني في الثلاثة الأول، أو الأعم؟ احتمالات، وتكثر بملاحظة الضرب مع المتقدمة. إلا أن الأقوى الأول هنا، لتبادره. كما أن الأقوى الأول أيضا بالنسبة للستة، لعدم ثبوت غيره، ولأنه المعروف بين المتشرعة كمعروفية البحث فيه عنه، ولقوله (عليه السلام) في الحائض:

Page 4

" أما الطهر فلا " (1) ولا غناء المعنى اللغوي في إزالة النجاسة فلا يتكلف مؤنة النقل لكن قد يستدل على شمولها لإزالة النجاسة بالتبادر، وبكثرة إطلاقها في الكتاب والسنة ولسان المتشرعة، وباستبعاد جعل البحث عنها بالعرض. كما أنه قد يستدل على شمولها لغير المبيح بتقسيم الطهارة إلى واجبة ومندوبة، وتقسيم الثانية إلى المبيح وغيره، وبأن ما تفعله الحائض وضوء وكل وضوء طهارة. وفيه أن التبادر المدعى ممنوع، ولاستعمال في الكتاب والسنة في الغالب مع المعنى اللغوي وبدونه مع القرينة، واستعمالها في لسان المتشرعة قد عرفت أن المعروف ما قلنا، كما صرح به الشهيد على ما ستسمع، والاستبعاد يهون أمره أنه ليس عرضا بحتا بل له تعلق بالطهارة الحدثية، والتقسيم المشهور إنما هو تقسيم الثلاثة وهو لا ينافي كونها اسما للمبيح منه، وإن وقع في كلام بعضهم تقسيمها فلا بد من التزام كون المقسم أعم من المعرف للتصريح الأول والظاهر لا يعارضه. والقول بأن كل وضوء طهارة مصادرة محضة. نعم يحتمل القول باختصاص لفظ (الطهارة) في ذلك بخلاف باقي المشتقات كطهر وطهور وطاهر، ويؤيده أنه وجه الجمع بين نصهم هنا على كونها اسما للمبيح، وبين استدلالهم بمثل هذه الألفاظ على إزالة النجاسات كلفظ الطهور ونحوه قال الشيخ في الخلاف: " الطهور عندنا هو المطهر المزيل للحدث والنجاسة " وعن التبيان وفقه القرآن ومجمع البيان وغيرها " طهورا أي طاهرا مطهرا مزيلا للأحداث والنجاسات " إلى غير ذلك. ولعله أولى من التزام الوضع حتى في لفظ الطهارة للقدر المشترك الشامل لإزالة النجاسة، دفعا لمحذور الاشتراك أو المجاز والتحكم لازم من التخصيص، مع شيوع استعمالها في الأعم في كل من نوعيه بحيث لا يقصر بعضها عن بعض. ويحمل التعريف حينئذ على خصوص الطهارات التي هي نوع من العبادات، فتخرج الإزالة وتدخل في الخطابات الشرعية، ويزول

Page 5

الاشكال عن التفسير والاستدلال، بل يرتفع الخلاف بين القول بدخولها وخروجها، واختاره العلامة الطباطبائي، وهو لا يخلو من قوة. إلا أن الأقوى خلافه، لما فيه من التجشم في تأويل ما لا يقبل التأويل من التصريح الواقع من بعضهم وغيره، مع أن دعوى شيوع استعمال لفظ الطهارة في ذلك في حيز المنع، فلعل ما ذكرنا من الفرق بينها وبين غيرها من التصرفات أولى، ولا يلزم من نقل المشتقات نقل المصدر، بل هو منقول لمعنى آخر، ولا يشترط وجود المشتق منه معها بل يكفي اقتطاعها منه بذلك المعنى، فليتأمل.

لا يقال إن النزاع في نحو ذلك ما هو إلا اختلاف اصطلاح، لأنا نقول أنه نزاع في إثبات المعنى المتشرعي الذي هو ضابطة للحقيقة الشرعية ما لم يعلم الحدوث، كما يظهر من تحرير محل النزاع فيها، وقد وقع تعريفها على لسان كثير من علمائنا (رحمهم الله) فعن الشيخ في النهاية " إن الطهارة في الشريعة اسم لما يستباح به الدخول في الصلاة " وعن القاضي ابن البراج في الروضة كذلك بزيادة " ولم يكن ملبوسا أو ما يجري مجراه " وعن المهذب والموجز: " إنها استعمال الماء والصعيد على وجه يستباح به الصلاة أو تكون عبادة تختص بغيرها " وعن الشيخ في المبسوط والاقتصاد: " الطهارة عبارة عن إيقاع أفعال في البدن مخصوصة على وجه مخصوص يستباح به الصلاة " وعن ابن إدريس أنه ارتضاه، وعن قطب الدين الراوندي " إن الاحتراز التام أن الطهارة الشرعية هي استعمال الماء أو الصعيد نظافة على وجه يستباح به الصلاة وأكثر العبادات " وعن نجيب الدين محمد بن أبي غالب في المنهج الأقصد (1) " الطهارة الشرعية هي إزالة حدث أو حكم لتؤثر في صحة ما هي شرط فيه " وعن المصنف في المعتبر " أنها اسم لما يرفع حكم الحدث " وعن المسائل المصرية " أنها استعمال أحد الطهورين لإزالة الحدث

Page 6

أو لتأكيد الإزالة " وعن العلامة في التحرير والتلخيص " الطهارة شرعا ما لها صلاحية التأثير في استباحة الصلاة من الوضوء والغسل والتيمم " وعن بعض كتبه هي " وضوء أو غسل أو تيمم يستباح به عبادة شرعية " وفي القواعد: " الطهارة غسل بالماء أو مسح بالتراب متعلق بالبدن على وجه له صلاحية التأثير في العبادة " وعن علي بن محمد القاشي " إنها إذا أخذت صحيحة استعمال طهور مشروط بالنية " وعن الشيخ أبي علي في شرح النهاية " إنها التطهير من النجاسات ورفع الأحداث). ولعله وافق بذلك بعض العامة، وإلا فالمعروف بين أصحابنا كما أشرنا إليه سابقا أن إزالة الأخباث ليست من الطهارة.

ومن هنا قال الشهيد في نكت الرشاد: " إن إدخال إزالة الخبث فيها ليس من اصطلاحنا " وفي كنز العرفان " وقد تطلق مجازا بالاتفاق على إزالة الخبث عن الثوب والبدن " وعن بعضهم " إنها وضع الطهور مواضعه " وعن الجرجاني تعريفها " بماله صلاحية رفع الحدث أو استباحة الصلاة مع بقائه ".

قلت: وهل اختلاف هذه التعاريف هو بعد الاتفاق على معنى ولكنهم يختلفون في التعبير عنه إما لتسامح أو غيره، أو أن هذا الاختلاف لاختلاف في المعنى لكون الطهارة اسما لصحيح أو للأعم، أو أنها لما تشمل إزالة الأخباث مثلا أو لا، أو أنها تشمل وضوء الحائض أو لا، أو أنها تشمل الأغسال المندوبة أو لا، أو أنها تشمل الوضوء التجديدي أو لا؟ إلى غير ذلك الذي يظهر في النظر أن كثيرا من الاختلاف لاختلاف في المعنى، فلا وجه حينئذ للايراد (1) على البعض مثلا بخروج وضوء الحايض، وعلى آخر بدخوله، إذ قد يقول الأول أنه ليس طهارة والآخر طهارة، فكل يعرف على مذهبه، ويرجع النزاع حينئذ معنويا. وهذا الذي ينبغي أن يلحظ بالنسبة للاستقراء والتتبع، وإلا فكثير من الايرادات حتى نقل أنه اعترض على تعريف العلامة في القواعد بتسعة عشر اعتراضا لا ثمرة فيها، فمما رجع منها إلى

Page 7

ما ذكرنا كان للفقيه أن يتعرض له إذ لعله تترتب عليه فوائد بناء على ثبوت الحقيقة الشرعية، فاستقرئ وتتبع وتأمل جيدا. وإن أردت النقض في كثير من هذه التعاريف والابرام فانظر ما كتبه الشهيد في غاية المراد في نكت الإرشاد فإنه قد حاول الإحاطة لذلك. ولعل قيد (الاستباحة) في عبارة المشهور مع إرادة ما يقابل الحرمة التشريعية منه يقتضي عدم حصول الطهارة من المميز. إما لأن عبادته تمرينية، وإما لأن شرعية الوضوء منه أعم من كونه طهارة، كشرعية وضوء الحائض، مع احتمال حصول الطهارة به على أن يكون المراد من الاستباحة الصحة فتأمل جيدا.

(وكل أحد منها) أي الثلاثة المتقدمة (ينقسم إلى واجب وندب) دون باقي الأحكام وإطلاق الكراهة في بعض المقامات على ضرب من التأويل.

(فالواجب من الوضوء) وجوبا شرعيا ولو لوجوب مقدمة الواجب (ما كان لصلاة واجبة) أصلا أو عارضا وأجزائها المنسية إجماعا وكتابا وسنة (أو طواف واجب) في حج أو عمرة ولو مندوبين لوجوب إتمامهما إجماعا كما عن المنتهى وسنة (أو لمس كتابة القرآن إن وجب) لعارض ويأتي الكلام فيه في الوضوء إن شاء الله.

والظاهر من المصنف بل كاد يكون صريحه كالظاهر من غيره ممن حصر الغايات التي يجب لها الوضوء أنه واجب لغيره ولا يجب لنفسه وصرح به جماعة بل هو المشهور نقلا وتحصيلا، بل عن العلامة والكركي والشهيد الثاني نقل الاجماع عليه. ولعل الأمر فيه كذلك كما لا يخفى على من لاحظ كلماتهم في المقام وسيرتهم في كل عصر ومصر، من عدم الالزام والالتزام برفع الحدث الأصغر عند ظن الوفاة، عدم أمرهم المرضى به أو التيمم بدله مع وقوع الحدث غالبا منهم، وخلو المواعظ والخطب، وعدم الجواهر 1

Page 8

إشارة من أحد من الفقهاء لا في مقام الاحتضار ولا في غيره مع محافظتهم غالبا على المستحبات والآداب فضلا عن الواجبات. ومع ذلك كله فلم نعلم فيه خلافا، ولم ينقله أحد ممن يتعاطي نقل الشاذ من الأقوال، لكن الشهيد في الذكرى بعد أن ذكر الكلام في الغسل بالنسبة للوجوب النفسي والغيري قالا: " ربما قيل يطرد الخلاف في كل الطهارات لأن الحكمة ظاهرة في شرعيتها مستقلة " ويظهر للمتأمل في كلامه السابق أن هذا القول ليس لنا، ومما يدلك على هذا نقضه التمسك بالأوامر المطلقة الدالة على وجوب الغسل بأن حال هذه كحال أوامر الوضوء وغسل الأواني. ثم قال:

" وهم يوافقون على أن المراد بوجوبها المشروط " فقد يراد بالطهارة في كلامه باقي الأغسال لا الوضوء، لأن الخلاف إنما هو معروف في غسل الجنابة. ويظهر أيضا من المنقول عنه في القواعد أنه قول بعض العامة قال: " لا ريب أن الطهارة والستر والقبلة معدودة من الواجبات في الصلاة مع الاتفاق على جواز فعلها قبل الوقت والاتفاق في الأصول على أن غير الواجب لا يجزي عن الواجب، فاتجه هنا سؤال وهو أن أحد الأمرين لازم أما القول بوجوبها على الاطلاق ولم يقل به أحد أو يقال بالاجزاء وهو باطل " ثم قال: " وهذا الاشكال اليسير هو الذي ألجأ بعض العلماء إلى اعتقاد أن وجوب الوضوء أو غيره من الطهارات نفسي موسعا قبل الوقت وفي الوقت وجوبا مضيقا عند آخر الوقت، ذهب إليه القاضي أبو بكر العنبري وحكاه الرازي في التفسير عن جماعة، فصار بعض الأصحاب إلى وجوب الغسل بهذه المثابة " انتهى. وكيف كان فعبارة الشهيد في الذكرى هي التي أوقعت بعض المتأخرين في الوهم حتى عدوه قولا، وربما جنح إليه بعضهم. وعلى هذا التقدير فهم لا يمنعون الوجوب الغيري وتظهر الثمرة في نية الوجوب قبل الوقت وفي العقاب عند ظن الموت مع التمكن منه أو الوصول إلى حد التهاون عرفا، كما في غيره من الواجبات الموسعة.

لنا الأصل مع عموم البلوى به والاجماعات المنقولة فيه، في التيمم مع عموم

Page 9

البدلية المؤيدة بنفي الخلاف صريحا وظاهرا، مع السيرة القاطعة بين العوام والعلماء وخلو الخطب والمواعظ وعدم ذكر أحد له في الواجبات، لا سيما عند الاحتضار وعدم الالزام به من النبي (ص) والصحابة والتابعين والأئمة (ع) لأحد من المحتضرين من نسائهم وأصحابهم، وعدم أمر النبي (ص) أصحابه عند جهاد المشركين، ولا أمير المؤمنين في جميع حروبه لا سيما حرب صفين، ومفهوم قوله تعالى (إذا قمتم) (1) الدال على نفي وجوب الوضوء عند عدم الشرط. وما يقال إن المنفى إنما هو الوجوب لها لظهور المنطوق فيه وهو لا ينافي الوجوب النفسي، يدفعه شهادة العرف بخلافه، كما أنه يدفع أيضا احتمال عدم حجية المفهوم في خصوص المقام لمكان وجود فائدة له غير التعليق وهي التنبيه على شرطيته للصلاة، مع أن اعتبار مثل ذلك ساد لباب حجية مفهوم الشرط. وكذا ما يقال من أن المراد بالأمر بالغسل إنما هو الوجوب الشرطي دون الشرعي بدليل شمول الصلاة للنافلة ولا يجب ذلك شرعا لها اجماعا، بمنع الشمول أولا لتبادر العهدية الذهنية. وعلى تقديره فخروج النافلة عن الحكم الشرعي المستفاد من الأمر دون الوضعي المستفاد منه أيضا غير قادح، فتأمل. كما أنه لا يقدح تقييد وجوب الوضوء في الفريضة بما بعد دخول الوقت لعدم وجوبه قبله، إذ أقصاه زيادة قيود في سبب الوجوب ويكون المفهوم حينئذ عدم الوجوب عند عدمها أو عدم واحد منها. والحاصل أن خروج بعض ما يدخل في المنطوق لدليل كخروج ذلك من المفهوم أيضا لا يقدح فيما ذكرنا. ولقد وقع في المقام في المدارك ما يقضي منه العجب فلاحظ وتأمل، وكأن دلالة الآية على ما ذكرنا من الظهور لا يحتاج إلى التطويل، ولذا جعلها جماعة من الأصحاب قرينة على وجوب الغسل لغيره باعتبار عطف قوله تعالى: (وإن كنتم جنيا) (2) على ما هو كذلك كما ستسمعه في محله إن شاء الله، وقوله (عليه السلام) في خبر زرارة (3): " فإذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة "

Page 10

فإنه ظاهر بمقتضى المفهوم أنه إن لم يدخل الوقت فلا يجب الطهور ولا الصلاة، ومع استفادة التجدد والحدوث من لفظ وجب، فتأمل. وحمل الواو على المعية فيكون المعنى أنهما يجبان معا فإن لم يدخلا الوقت فلا يجبان معا ويكفي في صدق ذلك عدم وجوب الصلاة ووجوب الوضوء في غاية البعد مخالف لمقتضى الظاهر في الواو. وكذا ما يقال أن المراد إذا دخل الوقت وجب الطهور والصلاة أي وجب كل واحد منهما فإن لم يدخل الوقت فلا يجب كل واحد منهما فيكون رفعا للإيجاب الكلي لما هو معلوم أن حرف العطف تقضي بأن المعطوف بمنزلة المعطوف عليه فهو في الحقيقة جواب شرط مستقل اختص بحرف العطف، على أنه لا داعي إلى هذه التمحلات الباردة. وما يقال إن ارتكابها لمكان وجود المعارض الصحيح (1) أن عليا (عليه السلام) كأن يقول: " من وجد طعم النوم قاعدا أو قائما فقد وجب عليه الوضوء " وقوله (عليه السلام) في صحيح زرارة (2): " إذا نامت العين والأذن والقلب فقد وجب الوضوء " وصحيح ابن خلاد: (3) " إذا خفي عليه الصوت فقد وجب عليه الوضوء " إلى غير ذلك مما أمر به بالوضوء بمجرد وجود هذه الأسباب، فإن ذلك كله يدل على وجوب الوضوء لنفسه، يدفعه أن ارتكاب مثل ذلك لا يصدر من فقيه ماهر، فإن ظاهر الآية والرواية المعتضدتين بما سمعت من الاجماعات المنقولة والسيرة التي كادت تكون قاطعة، بل يمكن دعوى تحصيل الاجماع، لا يعارضهما مثل هذه الظواهر، حتى أنه يرتكب التأويل في تلك دونها على أنه قد يدعى أنه لا ظهور فيها، بل المقصود منها إنما هو ثبوت الوضوء بهذا السبب عند مجئ الخطاب بما هو واجب له، واستعمال هذه العبارة في إفادة ذلك غير منكر، مثل ما جاء في السنة من الأوامر بغسل الأواني والثياب المتنجسات وغيرها مما

Page 11