967

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: إن يدعون من دونه إلا اللات والعزى ومناة، فسماهن الله إناثا بتسمية المشركين إياهن بتسمية الإناث. ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن أبي مالك في قوله: { إن يدعون من دونه إلا إنثا } قال: اللات والعزى ومناة، كلها مؤنث. حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك بنحوه، إلا أنه قال: كلهن مؤنث. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط عن السدي: { إن يدعون من دونه إلا إنثا } يقول: يسمونهم إناثا: لات، ومناة، وعزى. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { إن يدعون من دونه إلا إنثا } قال: آلهتهم: اللات، والعزى، ويساف، ونائلة، هم إناث يدعونهم من دون الله. وقرأ: { وإن يدعون إلا شيطنا مريدا }. وقال آخرون: معنى ذلك: إن يدعون من دونه إلا مواتا لا روح فيه. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { إن يدعون من دونه إلا إنثا } يقول: ميتا. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { إن يدعون من دونه إلا إنثا }: أي إلا ميتا لا روح فيه. حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن: { إن يدعون من دونه إلا إنثا } قال: والإناث: كل شيء ميت ليس فيه روح خشبة يابسة، أو حجر يابس، قال الله تعالى: { وإن يدعون إلا شيطنا مريدا }... إلى قوله:

فليبتكن ءاذان الانعم

[النساء: 119]. وقال آخرون: عنى بذلك أن المشركين كانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله. ذكر من قال ذلك: حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: { إن يدعون من دونه إلا إنثا } قال: الملائكة يزعمون أنهم بنات الله. وقال آخرون: معنى ذلك: إن أهل الأوثان كانوا يسمون أوثانهم إناثا، فأنزل الله ذلك كذلك. ذكر من قال ذلك: حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن نوح بن قيس، عن أبي رجاء، عن الحسن قال: كان لكل حي من أحياء العرب صنم يسمونها أنثى بني فلان، فأنزل الله: { إن يدعون من دونه إلا إنثا }. حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا نوح بن قيس، قال: ثنا محمد بن سيف أبو رجاء الحداني، قال: سمعت الحسن يقول: كان لكل حي من العرب، فذكر نحوه.

وقال آخرون: الإناث في هذا الموضع: الأوثان. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهاد في قوله: { إنثا } قال: أوثانا. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا سفيان، قال: ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كان في مصحف عائشة: «إن يدعون من دونه إلا إناثا». قال أبو جعفر: روي عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: «أن يدعون من دونه إلا أثنا»، بمعنى جمع وثن، فكأنه جمع وثنا وثنا، ثم قلب الواو همزة مضمومة، كما قيل: ما أحسن هذه الأجوه، بمعنى الوجوه، وكما قيل: { وإذا الرسل أقتت } بمعنى: وقتت. وذكر عن بعضهم أنه كان يقرأ ذلك: «إن يدعون من دونه إلا أنثا»، كأنه أراد جمع الإناث، فجمعها أنثا، كما تجمع الثمار ثمرا. والقراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها قراءة من قرأ: { إن يدعون من دونه إلا إنثا } بمعنى جمع أنثى، لأنها كذلك في مصاحف المسلمين، ولإجماع الحجة على قراءة ذلك كذلك. وأولى التأويلات التي ذكرت بتأويل ذلك إذ كان الصواب عندنا من القراءة ما وصفت، تأويل من قال: عنى بذلك الآلهة التي كان مشركو العرب يعبدونها من دون الله، ويسمونها بالإناث من الأسماء كاللات والعزى ونائلة ومناة، وما أشبه ذلك. وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية، لأن الأظهر من معاني الإناث في كلام العرب ما عرف بالتأنيث دون غيره. فإذ كان ذلك كذلك، فالواجب توجيه تأويله إلى الأشهر من معانيه، وإذ كان ذلك كذلك فتأويل الآية: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين، نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا، إن يدعون من دونه إلا إناثا، يقول: ما يدعو الذين يشاقون الرسول ويتبعون غير سبيل المؤمنين شيئا من دون الله بعد الله وسواه، إلا إناثا، يعني: إلا ما سموه بأسماء الإناث كاللات والعزى وما أشبه ذلك. يقول جل ثناؤه: فحسب هؤلاء الذين أشركوا بالله وعبدوا ما عبدوا من دونه من الأوثان والأنداد، حجة عليهم في ضلالتهم وكفرهم وذهابهم عن قصد السبيل، أنهم يعبدون إناثا ويدعونها آلهة وأربابا. والإناث من كل شيء أخسه فهم يقرون للخسيس من الأشياء بالعبودية على علم منهم بخساسته، ويمتنعون من إخلاص العبودية للذي له ملك كل شيء وبيده الخلق والأمر. القول في تأويل قوله تعالى: { وإن يدعون إلا شيطنا مريدا }. يعني جل ثناؤه بقوله: { وإن يدعون إلا شيطنا مريدا }: وما يدعو هؤلاء الذين يدعون هذه الأوثان الإناث من دون الله بدعائهم إياها إلا شيطانا مريدا، يعني متمردا على الله في خلافه فيما أمره به وفيما نهاه عنه. كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { وإن يدعون إلا شيطنا مريدا } قال: تمرد على معاصي الله.]

[4.118]

يعني جل ثناؤه بقوله: { لعنه الله }: أخزاه وأقصاه وأبعده. ومعنى الكلام: وإن يدعون إلا شيطانا مريدا قد لعنه الله وأبعده من كل خير. وقال: { لأتخذن } يعني بذلك أن الشيطان المريد قال لربه إذ لعنه: { لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا } يعني بالمفروض: المعلوم كما: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن جويبر، عن الضحاك: { نصيبا مفروضا } قال: معلوما. فإن قال قائل: وكيف يتخذ الشيطان من عباد الله نصيبا مفروضا؟ قيل: يتخذ منهم ذلك النصيب باغوائه إياهم عن قصد السبيل، ودعائه إياهم إلى طاعته، وتزيينه لهم الضلال والكفر، حتى يزيلهم عن منهج الطريق فمن أجاب دعاءه واتبع ما زينه له، فهو من نصيبه المعلوم وحظه المقسوم. وإنما أخبر جل ثناؤه في هذه الآية بما أخبر به عن الشيطان من قيله: { لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا } ليعلم الذين شاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى أنهم من نصيب الشيطان الذي لعنه الله المفروض، وأنه ممن صدق عليهم ظنه. وقد دللنا على معنى اللعنة فيما مضى، فكرهنا إعادته.]

[4.119-120]

يعني بقوله جل ثناؤه مخبرا عن قيل الشيطان المريد، الذي وصف صفته في هذه الآية: ولأضلهم ولأصدن النصيب المفروض الذي أتخذه من عبادك عن محجة الهدى إلى الضلال، ومن الإسلام إلى الكفر. { ولأمنينهم } يقول: لأزيغنهم بما أجعل في نفوسهم من الأماني عن طاعتك وتوحيدك إلى طاعتي، والشرك بك. { ولآمرنهم فليبتكن ءاذان الأنعم } يقول: ولآمرن النصيب المفروض لي من عبادك بعبادة غيرك من الأوثان والأنداد، حتى ينسكوا له، ويحرموا، ويحللوا له، ويشرعوا غير الذي شرعته لهم فيتبعوني ويخالفونك. والبتك: القطع، وهو في هذا الموضع: قطع أذن البحيرة ليعلم أنها بحيرة. وإنما أراد بذلك الخبيث أنه يدعوهم إلى البحيرة فيستجيبون له ويعملون بها طاعة له. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { فليبتكن ءاذان الأنعم } قال: البتك في البحيرة والسائبة، كانوا يبتكون آذانها لطواغيتهم. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: { ولآمرنهم فليبتكن ءاذان الأنعم } أما يبتكن آذان الأنعام: فيشقونها فيجعلونها بحيرة. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني القاسم بن أبي بزة، عن عكرمة: { فليبتكن ءاذان الأنعم } قال: دين شرعه لهم إبليس كهيئة البحائر والسوائب. القول في تأويل قوله تعالى: { ولامرنهم فليغيرن خلق الله }. اختلف أهل التأويل في معنى قوله: { فليغيرن خلق الله } فقال بعضهم: معنى ذلك: ولآمرنهم فليغيرن خلق الله من البهائم باخصائهم إياها. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس، أنه كره الإخصاء، وقال: فيه نزلت { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله }. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الله بن داود، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس، أنه كره الإخصاء، وقال: فيه نزلت { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله }. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أنس بن مالك، قال: هو الإخصاء، يعني قول الله : { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله }. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيل، عن مطرف، قال: ثني رجل، عن ابن عباس، قال: إخصاء البهائم مثلة، ثم قرأ: { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله }. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، قال: من تغيير خلق الله الإخصاء. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا جعفر بن سليمان، قال: أخبرني شبل، أنه سمع شهر بن حوشب قرأ هذه الآية: { فليغيرن خلق الله } قال: الخصاء، قال: فأمرت أبا التياح، فسأل الحسن عن خصاء الغنم، فقال: لا بأس به.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: ثنا عمي وهب بن نافع، عن القاسم بن أبي بزة، قال: أمرني مجاهد أن أسأل عكرمة عن قوله: { فليغيرن خلق الله } فسألته، فقال: هو الخصاء. حدثنا ابن وكيع، قال: ثني أبي، عن عبد الجبار بن ورد، عن القاسم بن أبي بزة، قال: قال لي مجاهد: سهل عنها عكرمة: { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } فسألته، فقال: الإخصاء. قال مجاهد: ماله لعنه الله! فوالله لقد علم أنه غير الإخصاء. ثم قال: سله! فسألته، فقال عكرمة: ألم تسمع إلى قول الله تبارك وتعالى:

فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله

Unknown page