Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-Qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها
[يونس: 22]. وقد يحتمل أن يكون معناه: من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعن أصحاب الوجوه، فجعل الهاء والميم في قوله: { أو نلعنهم } من ذكر أصحاب الوجوه، إذ كان في الكلام دلالة على ذلك. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يأيها الذين أوتوا الكتب }... إلى قوله: { أو نلعنهم كما لعنا أصحب السبت } أي نحولهم قردة. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن: { أو نلعنهم كما لعنا أصحب السبت } يقول: أو نجعلهم قردة. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { أو نلعنهم كما لعنا أصحب السبت } أو نجعلهم قردة. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { أو نلعنهم كما لعنا أصحب السبت } قال: هم يهود جميعا، نلعن هؤلاء كما لعنا الذين لعنا منهم من أصحاب السبت. وأما قوله: { وكان أمر الله مفعولا } فإنه يعني: وكان جميع ما أمر الله أن يكون كائنا مخلوقا موجودا، لا يمتنع عليه خلق شيء شاء خلقه. والأمر في هذا الموضع: المأمور، سمي أمر الله لأنه عن أمره كان وبأمره، والمعنى: وكان ما أمر الله مفعولا. ]
[4.48]
يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم، وإن الله لا يغفر أن يشرك به، فإن الله لا يغفر الشرك به والكفر، ويغفر ما دون ذلك الشرك لمن يشاء من أهل الذنوب والآثام. وإذ كان ذلك معنى الكلام، فإن قوله: { أن يشرك به } في موضع نصب بوقوع يغفر عليها وإن شئت بفقد الخافض الذي كان يخفضها لو كان ظاهرا، وذلك أن يوجه معناه: إلى أن الله لا يغفر بأن يشرك به على تأويل الجزاء، كأنه قيل: إن الله لا يغفر ذنبا مع شرك أو عن شرك وعلى هذا التأويل يتوجه أن تكون «أن» في موضع خفض في قول بعض أهل العربية. وذكر أن هذه الآية نزلت في أقوام ارتابوا في أمر المشركين حين نزلت:
يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم
[الزمر: 53]. ذكر الخبر بذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: ثني محبر، عن عبد الله بن عمر، أنه قال: لما نزلت:
يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم
[الزمر: 53]... الآية، قام رجل فقال: والشرك يا نبي الله. فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما }. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } قال: أخبرني محبر، عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما نزلت هذه الآية:
يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم
[الزمر: 53]... الآية، قام رجل فقال: والشرك يا نبي الله. فكره ذلك النبي، فقال: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء }. حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثنا آدم، قال: ثنا الهيثم بن حماد، قال: ثنا بكر بن عبد الله المزني، عن ابن عمر، قال: كنا معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نشك في قاتل النفس، وأكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم، حتى نزلت هذه الآية: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فأمسكنا عن الشهادة. وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرة شركا بالله. القول في تأويل قوله تعالى: { ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما }. يعني بذلك جل ثناؤه: ومن يشرك بالله في عبادته غيره من خلقه، فقد افترى إثما عظيما، يقول: فقد اختلق إثما عظيما. وإنما جعله الله تعالى ذكره مفتريا، لأنه قال زورا وإفكا بجحوده وحدانية الله وإقراره بأن لله شريكا من خلقه وصاحبة أو ولدا، فقائل ذلك مفتر، وكذلك كل كاذب فهو مفتر في كذبه مختلق له. ]
Unknown page