869

دلالة بينة أنه لم يبح للرجل ضرب زوجته إلا بعد عظتها من نشوزها، وذلك أنه لا تكون له عاصية، إلا وقد تقدم منه لها أمر أو عظة بالمعروف على ما أمر الله تعالى ذكره به. القول في تأويل قوله تعالى: { واضربوهن }. يعني بذلك جل ثناؤه: فعظوهن أيها الرجال في نشوزهن، فإن أبين الأياب إلى ما يلزمهن لكم فشدوهن وثاقا في منازلهن، واضربوهن ليؤبن إلى الواجب عليهن من طاعة الله في اللازم لهن من حقوقكم. وقال أهل التأويل: صفة الضرب التي أبام الله لزوج الناشز أن يضربها الضرب غير المبرح. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جبير: { واضربوهن } قال: ضربا غير مبرح. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: أخبرنا أبو حمزة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، مثله. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال: الضرب غير المبرح. حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا شريك، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: { واضربوهن } قال: ضربا غير مبرح. حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { واهجروهن فى المضاجع } واضربوهن، قال: تهجرها في المضجع، فإن أقبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضربا غير مبرح، ولا تكسر لها عظما، فإن أقبلت، وإلا فقد حل لك منها الفدية.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن وقتادة في قوله: { واضربوهن } قال: ضربا غير مبرح. وبه قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: { واضربوهن } قال: ضربا غير مبرح. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { واهجروهن فى المضاجع واضربوهن } قال: تهجرها في المضجع، فإن أبت عليك فاضربها ضربا غير مبرح أي غير شائن. حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن عيينة، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: قلت لابن عباس: ما الضرب غير المبرح، قال: السواك وشبهه يضربها به. حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: ثنا ابن عيينة، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: قلت لابن عباس: ما الضرب غير المبرج؟ قال: بالسواك ونحوه. حدثنا المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته:

" ضربا غير مبرح "

قال: السواك ونحوه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" لا تهجروا النساء إلا في المضاجع، واضربوهن ضربا غير مبرح "

يقول: غير مؤثر. حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عطاء: { واضربوهن } قال: ضربا غير مبرح. حدثنا المثنى، قال: ثنا حبان، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: ثنا يحيى بن بشر، عن عكرمة مثله. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { واضربوهن } قال: إن أقبلت في الهجران، وإلا ضربها ضربا غير مبرح. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، قال: تهجر مضجعها ما رأيت أن تنزع، فإن لم تنزع ضربها ضربا غير مبرح. حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن: { واضربوهن } قال: ضربا غير مبرح. حدثني المثنى، قال: ثنا حبان، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا عبد الوارث بن سعيد، عن رجل، عن الحسن، قال: ضربا غير مبرح، غير مؤثر. القول في تأويل قوله تعالى: { فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا }. يعني بذلك جل ثناؤه: فإن أطعنكم أيها الناس نساؤكم اللاتي تخافون نشوزهن عند وعظكم إياهن فلا تهجروهن في المضاجع، فإن لم يطعنكم فاهجروهن في المضاجع واضربوهن، فإن راجعن طاعتكم عند ذلك وفئن إلى الواجب عليهن، فلا تطلبوا طريقا إلى أذاهن ومكروههن، ولا تلتمسوا سبيلا إلى ما لا يحل لكم من أبدانهن وأموالهن بالعلل، وذلك أن يقول أحدكم لإحداهن وهي له مطيعة: إنك لست تحبيني وأنت لي مبغضة، فيضربها على ذلك أو يؤذيها، فقال الله تعالى للرجال: { فإن أطعنكم }: أي على بغضهن لكم فلا تجنوا عليهن، ولا تكلفوهن محبتكم، فإن ذلك ليس بأيديهن فتضربوهن أو تؤذوهن عليه.

ومعنى قوله: { فلا تبغوا }: لا تلتمسوا ولا تطلبوا، من قول القائل: بغيت الضالة: إذا التمستها، ومنه قول الشاعر في صفة الموت:

بغاك وما تبغيه حتى وجدته

كأنك قد واعدته أمس موعدا

بمعنى: طلبك وما تطلبه. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: { فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا } قال: إذا أطاعتك فلا تتجن عليها العلل. حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن الحسن بن عبيد الله، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قال: إذا أطاعته فليس له عليها سبيل إذا ضاجعته. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قوله: { فلا تبغوا عليهن سبيلا } قال: العلل. وقال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: قال الثوري في قوله: { فإن أطعنكم } قال: إن أتت الفراش وهي تبغضه. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يعلي، عن سفيان، قال: إذا فعلت ذلك لا يكلفها أن تحبه، لأن قلبها ليس في يديها. حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: إن أطاعته فضاجعته، فإن الله يقول: { فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا }. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا } يقول: فإن أطاعتك فلا تبغ عليها العلل. القول في تأويل قوله تعالى: { إن الله كان عليا كبيرا }. يقول: إن الله ذو علو على كل شيء، فلا تبغوا أيها الناس على أزواجكم إذا أطعنكم فيما ألزمهن الله لكم من حق سبيلا لعلو أيديكم على أيديهن، فإن الله أعلى منكم ومن كل شيء، وأعلى منكم عليهن، وأكبر منكم ومن كل شيء، وأنتم في يده وقبضته، فاتقوا الله أن تظلموهن وتبغوا عليهن سبيلا وهن لكم مطيعات، فينتصر لهن منكم ربكم الذي هو أعلى منكم ومن كل شيء، وأكبر منكم ومن كل شيء.

Unknown page