824

يعني بذلك جل ثناؤه: { ومن يعص الله ورسوله } في العمل بما أمراه به من قسمة المواريث على ما أمراه بقسمة ذلك بينهم وغير ذلك من فرائض الله مخالفا أمرهما إلى ما نهياه عنه، { ويتعد حدوده } يقول: ويتجاوز فصول طاعته التي جعلها تعالى فاصلة بينها وبين معصيته إلى ما نهاه عنه من قسمة تركات موتاهم بين ورثته، وغير ذلك من حدوده. { يدخله نارا خلدا فيها } يقول: باقيا فيها أبدا لا يموت ولا يخرج منها أبدا. { وله عذاب مهين } يعني: وله عذاب مذل من عذب به مخز له. وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده }... الآية في شأن المواريث التي ذكر قبل. قال ابن جريج: ومن يعص الله ورسوله، قال: من أصاب من الذنوب ما يعذب الله عليه. فإن قال قائل: أو يخلد في النار من عصى الله ورسوله في قسمة المواريث؟ قيل: نعم، إذا جمع إلى معصيتهما في ذلك شكا في أن الله فرض عليه ما فرض على عباده في هاتين الآيتين، أو علم ذلك، فحاد الله ورسوله في أمرهما على ما ذكر ابن عباس من قول من قال حين نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قول الله تبارك وتعالى: { يوصيكم الله فى أولدكم للذكر مثل حظ الانثيين }... إلى تمام الآيتين: أيورث من لا يركب الفرس، ولا يقاتل العدو، ولا يحوز الغنيمة نصف المال أو جميع المال؟ استنكارا منهم قسمة الله ما قسم لصغار ولد الميت ونسائه وإناث ولده، ممن خالف قسمة الله ما قسم من ميراث أهل الميراث بينهم، على ما قسمه في كتابه، وخالف حكمه في ذلك وحكم رسوله، استنكارا منه حكمهما، كما استنكره الذين ذكر أمرهم ابن عباس ممن كان بين أظهر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين الذين فيهم نزلت وفي أشكالهم هذه الآية، فهو من أهل الخلود في النار، لأنه باستنكاره حكم الله في تلك يصير بالله كافرا ومن ملة الإسلام خارجا.

[4.15]

يعني بقوله جل ثناؤه: { واللتى يأتين الفحشة } والنساء اللاتي يأتين بالزنا: أي يزنين. { من نسائكم } وهن محصنات ذوات أزواج، أو غير ذوات أزواج. { فاستشهدوا عليهن أربعة منكم } يقول: فاستشهدوا عليهن بما أتين من الفاحشة أربعة رجال من رجالكم، يعني: من المسلمين. { فإن شهدوا } عليهن، { فأمسكوهن فى البيوت } يقول: فاحبسوهن في البيوت، { حتى يتوفاهن الموت } يقول: حتى يمتن، { أو يجعل الله لهن سبيلا } يعني: أو يجعل الله لهن مخرجا وطريقا إلى النجاة مما أتين به من الفاحشة. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو هشام الرفاعي محمد بن يزيد، قال: ثنا يحيى بن أبي زائدة، عن ابن جريج، عن مجاهد: { واللتى يأتين الفحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن فى البيوت } أمر بحبسهن في البيوت حتى يمتن { أو يجعل الله لهن سبيلا } قال: الحد. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { واللتى يأتين الفحشة من نسائكم } قال: الزنا، كان أمر بحبسهن حين يشهد عليهن أربعة حتى يمتن { أو يجعل الله لهن سبيلا } والسبيل: الحد. حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قوله: { واللتى يأتين الفحشة من نسائكم } إلى: { أو يجعل الله لهن سبيلا } فكانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، ثم أنزل الله تبارك وتعالى بعد ذلك:

الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة

[النور: 2] فإن كانا محصنين رجما، فهذه سبيلهما الذي جعل الله لهما. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { أو يجعل الله لهن سبيلا } فقد جعل الله لهن، وهو الجلد والرجم. حدثني بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { واللتى يأتين الفحشة } حتى بلغ: { أو يجعل الله لهن سبيلا } كان هذا من قبل الحدود، فكانا يؤذيان بالقول جميعا، وبحبس المرأة. ثم جعل الله لهن سبيلا، فكان سبيل من أحصن جلد مائة ثم رمي بالحجارة، وسبيل من لم يحصن جلد مائة ونفي سنة. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عطاء بن أبي رباح وعبد الله بن كثير: الفاحشة: الزنا، والسبيل: الرجم والجلد. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { واللتى يأتين الفحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم } إلى: { أو يجعل الله لهن سبيلا } هؤلاء اللاتي قد نكحن وأحصن، إذا زنت المرأة فإنها كانت تحبس في البيت ويأخذ زوجها مهرها فهو له، فذلك قوله:

لا يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض مآ آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة

[النساء: 19]

وعاشروهن بالمعروف

[النساء: 19] حتى جاءت الحدود فنسختها، فجلدت ورجمت، وكان مهرها ميراثا، فكان السبيل هو الجلد. حدثت، عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: { أو يجعل الله لهن سبيلا } قال: الحد، نسخ الحد هذه الآية. حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا يحيى، عن إسرائيل، عن خصيف، عن مجاهد: { أو يجعل الله لهن سبيلا } قال: جلد مائة، الفاعل والفاعلة. حدثنا الرفاعي، قال: ثنا يحيى، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: الجلد. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنا أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الوحي نكس رأسه، ونكس أصحابه رؤوسهم فلما سري عنه رفع رأسه، فقال:

" قد جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب، والبكر بالبكر أما الثيب فتجلد ثم ترجم وأما البكر فتجلد ثم تنفى "

Unknown page