Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-Qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين } فإذا عزمت: أي على أمر جاءك مني، أو أمر من دينك في جهاد عدوك، لا يصلحك ولا يصلحهم إلا ذلك، فامض على ما أمرت به، على خلاف من خالفك، وموافقة من وافقك، وتوكل على الله: أي ارض به من العباد، إن الله يحب المتوكلين. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { فإذا عزمت فتوكل على الله } أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم، إذا عزم على أمر أن يمضي فيه، ويستقيم على أمر الله، ويتوكل على الله. حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: { فإذا عزمت فتوكل على الله }... الآية، أمره الله إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل عليه.
[3.160]
يعني تعالى ذكره بذلك: إن ينصركم الله أيها المؤمنون بالله ورسوله، على من ناوأكم وعاداكم من أعدائه، والكافرين به، فلا غالب لكم من الناس، يقول: فلن يغلبكم مع نصره إياكم أحد، ولو اجتمع عليكم من بين أقطارها من خلقه، فلا تهابوا أعداء الله لقلة عددكم، وكثرة عددهم، ما كنتم على أمره، واستقمتم على طاعته وطاعة رسوله، فإن الغلبة لكم والظفر دونهم. { وإن يخذلكم فمن ذا الذى ينصركم من بعده } يعني: إن يخذلكم ربكم، بخلافكم أمره، وترككم طاعته وطاعة رسوله، فيكلكم إلى أنفسكم، فمن ذا الذي ينصركم من بعده، يقول: فأيسوا من نصرة الناس، فإنكم لا تجدون أمرا من بعد خذلان الله إياكم أن خذلكم، يقول: فلا تتركوا أمري، وطاعتي وطاعة رسولي، فتهلكوا بخذلاني إياكم. { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } يعني: ولكن على ربكم أيها المؤمنون فتوكلوا دون سائر خلقه، وبه فارضوا من جميع من دونه، ولقضائه فاستسلموا، وجاهدوا فيه أعداءه، يكفكم بعونه، ويمددكم بنصره. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذى ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون }: أي إن ينصرك الله فلا غالب لك من الناس، لن يضرك خذلان من خذلك، وإن يخذلك، فلن ينصرك الناس، فمن الذي ينصركم من بعده: أي لا تترك أمري للناس، وارفض أمر الناس لأمري { وعلى الله } لا على الناس { فليتوكل المؤمنون }.
[3.161]
اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته جماعة من قراء الحجاز والعراق: { وما كان لنبى أن يغل } بمعنى: أن يخون أصحابه فيما أفاء الله عليهم من أموال أعدائهم. واحتج بعض قارئي هذه القراءة، أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، في قطيفة فقدت من مغانم القوم يوم بدر، فقال بعض من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها. ورووا في ذلك روايات. فمنها ما: حدثنا به محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا خصيف، قال: ثنا مقسم، قال: ثني ابن عباس، أن هذه الآية: { وما كان لبنى أن يغل } نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، قال: فقال بعض الناس: أخذها! قال: فأكثروا في ذلك، فأنزل الله عز وجل: { وما كان لنبى أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة }. حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا خصيف، قال: سألت سعيد بن جبير: كيف تقرأ هذه الآية: { وما كان لنبى أن يغل } أو يغل؟ قال: لا، بل يغل، فقد كان النبي والله يغل ويقتل. حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، قال: ثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس: { وما كان لنبى أن يغل } قال: كان ذلك في قطيفة حمراء فقدت في غزوة بدر، فقال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فلعل النبي أخذها، فأنزل الله عز وجل: { وما كان لنبى أن يغل } قال سعيد: بل والله إن النبي ليغل ويقتل. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا خلاد، عن زهير، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كانت قطيفة فقدت يوم بدر، فقالوا: أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: { وما كان لنبى أن يغل }. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مالك بن إسماعيل، قال: ثنا زهير، قال: ثنا خصيف، عن سعيد بن جبير وعكرمة، في قوله: { وما كان لنبى أن يغل } قالا: يغل، قال: قال عكرمة أو غيره، عن ابن عباس، قال: كانت قطيفة فقدت يوم بدر، فقالوا: أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأنزل الله هذه الآية: { وما كان لنبى أن يغل }. حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا قزعة بن سويد الباهلي، عن حميد الأعرج، عن سعيد بن جبير، قال: نزلت هذه الآية: { وما كان لنبى أن يغل } في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر من الغنيمة.
حدثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: ثنا معتمر، عن أبيه، عن سليمان الأعمش، قال: كان ابن مسعود يقرأ: { ما كان لنبى أن يغل } فقال ابن عباس: بلى، ويقتل. قال: فذكر ابن عباس أنه إنما كانت في قطيفة، قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، غلها يوم بدر، فأنزل الله: { وما كان لنبى أن يغل }. وقال آخرون ممن قرأ ذلك كذلك بفتح الياء وضم الغين: إنما نزلت هذه الآية في طلائع كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجههم في وجه، ثم غنم النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقسم للطلائع، فأنزل الله عز وجل هذه الآية على نبيه صلى الله عليه وسلم، يعلمه فيها أن فعله الذي فعله خطأ، وأن الواجب عليه في الحكم أن يقسم للطلائع مثل ما قسم لغيرهم، ويعرفه الواجب عليه من الحكم فيما أفاء الله عليه من الغنائم، وأنه ليس له أن يخص بشيء منها أحدا ممن شهد الوقعة أو ممن كان ردءا لهم في غزوهم دون أحد. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { وما كان لنبى أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة } يقول: ما كان للنبي أن يقسم لطائفة من المسلمين ويترك طائفة ويجور في القسم، ولكن يقسم بالعدل، ويأخذ فيه بأمر الله، ويحكم فيه بما أنزل الله. يقول: ما كان الله ليجعل نبيا يغل من أصحابه، فإذا فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، استنوا به. حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، أنه كان يقرأ: { ما كان لنبى أن يغل } قال: أن يعطي بعضا، ويترك بعضا، إذا أصاب مغنما. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طلائع، فغنم النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقسم للطلائع، فأنزل الله عز وجل: { وما كان لنبى أن يغل }. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك: { ما كان لنبى أن يغل } يقول: ما كان لنبي أن يقسم لطائفة من أصحابه، ويترك طائفة، ولكن يعدل، ويأخذ في ذلك بأمر الله عز وجل، ويحكم فيه بما أنزل الله. حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: { ما كان لنبى أن يغل } قال: ما كان له إذا أصاب مغنما أن يقسم لبعض أصحابه ويدع بعضا، ولكن يقسم بينهم بالسوية. وقال آخرون ممن قرأ ذلك بفتح الياء وضم الغين: إنما أنزل ذلك تعريفا للناس أن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يكتم من وحي الله شيئا.
ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { ما كان لنبى أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون }: أي ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم عن رهبة من الناس ولا رغبة، ومن يعمل ذلك يأت به يوم القيامة. فتأويل قراءة من قرأ ذلك كذلك: ما ينبغي لنبي أن يكون غالا، بمعنى: أنه ليس من أفعال الأنبياء خيانة أممهم. يقال منه: غل الرجل فهو يغل، إذا خان، غلولا، ويقال أيضا منه: أغل الرجل فهو يغل إغلالا، كما قال شريح: ليس على المستعير غير المغل ضمان، يعني: غير الخائن ويقال منه: أغل الجازر: إذا سرق من اللحم شيئا مع الجلد. وبما قلنا في ذلك جاء تأويل أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ما كان لنبى أن يغل } يقول: ما كان ينبغي له أن يخون، فكما لا ينبغي له أن يخون فلا تخونوا. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: { ما كان لنبى أن يغل } قال: أن يخون. وقرأ ذلك آخرون: «ما كان لنبي أن يغل» بضم الياء وفتح الغين، وهي قراءة عظم قراء أهل المدينة والكوفة. واختلف قارئو ذلك كذلك في تأويله، فقال بعضهم: معناه: ما كان لنبي أن يغله أصحابه. ثم أسقط الأصحاب، فبقي الفعل غير مسمى فاعله وتأويله: وما كان لنبي أن يخان. ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عوف، عن الحسن أنه كان يقرأ: «وما كان لنبي أن يغل» قال عوف: قال الحسن: أن يخان. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: «وما كان لنبي أن يغل» يقول: وما كان لنبي أن يغله أصحابه الذين معه من المؤمنين، ذكر لنا أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وقد غل طوائف من أصحابه. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: «وما كان لنبي أن يغل » قال: أن يغله أصحابه. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: «وما كان لنبي أن يغل» قال الربيع بن أنس، يقول: ما كان لنبي أن يغله أصحابه الذين معه، قال: ذكر لنا والله أعلم أن هذه الآية أنزلت على نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وقد غل طوائف من أصحابه.
وقال آخرون منهم: معنى ذلك: وما كان لنبي أن يتهم بالغلول فيخون ويسرق. وكأن متأولي ذلك كذلك وجهوا قوله: «وما كان لنبي أن يغل» إلى أنه مراد به يغلل، ثم خففت العين من يفعل فصارت يفعل، كما قرأ من قرأ قوله: «فإنهم لا يكذبونك» بتأول يكذبونك. وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي قراءة من قرأ: { وما كان لنبى أن يغل } بمعنى: ما الغلول من صفات الأنبياء، ولا يكون نبيا من غل. وإنما اخترنا ذلك، لأن الله عز وجل أوعد عقيب قوله: { وما كان لنبى أن يغل } أهل الغلول، فقال: { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة }... الآية، والتي بعدها، فكان في وعيده عقيب ذلك أهل الغلول، الدليل الواضح على أنه إنما نهى بذلك عن الغلول، وأخبر عباده أن الغلول ليس من صفات أنبيائه بقوله: { وما كان لنبى أن يغل } لأنه لو كان إنما نهى بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغلول، لعقب ذلك بالوعيد على التهمة، وسوء الظن برسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بالوعيد على الغلول، وفي تعقيبه ذلك بالوعيد على الغلول بيان بين، أنه إنما عرف المؤمنين وغيرهم من عباده أن الغلول منتف من صفة الأنبياء وأخلاقهم، لأن ذلك جرم عظيم، والأنبياء لا تأتي مثله. فإن قال قائل ممن قرأ ذلك كذلك: فأولى منه: وما كان لنبي أن يخونه أصحابه إن ذلك كما ذكرت، ولم يعقب الله قوله: { وما كان لنبى أن يغل } إلا بالوعيد على الغلول، ولكنه إنما وجب الحكم بالصحة لقراءة من قرأ: «يغل» بضم الياء وفتح الغين، لأن معنى ذلك: وما كان للنبي أن يغله أصحابه، فيخونوه في الغنائم قيل له: أفكان لهم أن يغلوا غير النبي صلى الله عليه وسلم فيخونوه، حتى خصوا بالنهي عن خيانة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن قالوا: نعم، خرجوا من قول أهل الإسلام، لأن الله لم يبح خيانة أحد في قول أحد من أهل الإسلام قط. وإن قال قائل: لم يكن ذلك لهم في نبي ولا غيره؟ قيل: فما وجه خصوصهم إذا بالنهي عن خيانة النبي صلى الله عليه وسلم وغلوله وغلول بعض اليهود، بمنزلة فيما حرم الله على الغال من أموالهما، وما يلزم المؤتمن من أداء الأمانة إليهما. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن معنى ذلك هو ما قلنا من أن الله عز وجل نفى بذلك أن يكون الغلول والخيانة من صفات أنبيائه، ناهيا بذلك عباده عن الغلول، وآمرا لهم بالاستنان بمنهاج نبيهم، كما قال ابن عباس في الرواية التي ذكرناها من رواية عطية ثم عقب تعالى ذكره نهيهم عن الغلول بالوعيد عليه، فقال: { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة }.
.. الآيتين معا. القول في تأويل قوله تعالى: { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة }. يعني بذلك تعالى ذكره: ومن يخن من غنائم المسلمين شيئا، وفيئهم، وغير ذلك، يأت به يوم القيامة في المحشر. كما: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد أبي حيان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قام خطيبا، فوعظ وذكر، ثم قال:
" ألا عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك ألا هل عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك. ألا هل عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك. ألا هل عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته بقرة لها خوار، يقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك ألا هل عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك "
Unknown page