Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-Qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا } يقول: ما عجزوا، وما تضعضعوا لقتل نبيهم، { وما استكانوا } يقول: ما ارتدوا عن نصرتهم ولا عن دينهم، بل قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله حتى لحقوا بالله. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: { فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله وما ضعفوا } يقول: ما عجزوا، وما ضعفوا لقتل نبيهم، { وما استكانوا } يقول: وما ارتدوا عن نصرتهم، قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى لحقوا بالله. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { فما وهنوا }: فما وهن الربيون لما أصابهم في سبيل الله، من قتل النبي صلى الله عليه وسلم { وما ضعفوا } يقول: ما ضعفوا في سبيل الله لقتل النبي { وما استكانوا } يقول: ما ذلوا حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" اللهم ليس لهم أن يعلونا "
، { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون إن كنتم مؤمنين }. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { فما وهنوا } لفقد نبيهم، { وما ضعفوا } عن عدوهم، { وما استكانوا } لما أصابهم في الجهاد عن الله، وعن دينهم، وذلك الصبر { والله يحب الصبرين }. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: { وما استكانوا } قال: تخشعوا. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: { وما استكانوا } قال: ما استكانوا لعدوهم { والله يحب الصبرين }.
[3.147]
يعني تعالى ذكره بقوله: { وما كان قولهم }: وما كان قول الربيين. والهاء والميم من ذكر أسماء الربيين. { إلا أن قالوا } يعني ما كان لهم قول سوى هذا القول إذ قتل نبيهم. وقوله: { ربنا اغفر لنا ذنوبنا } يقول: لم يعتصموا إذ قتل نبيهم إلا بالصبر على ما أصابهم، ومجاهدة عدوهم، وبمسألة ربهم المغفرة والنصر على عدوهم. ومعنى الكلام: { وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا }. وأما الإسراف: فإنه الإفراط في الشيء، يقال منه: أسرف فلان في هذا الأمر إذا تجاوز مقداره فأفرط، ومعناه ههنا: اغفر لنا ذنوبنا الصغار منها وما أسرفنا فيه منها فتخطينا إلى العظام. وكان معنى الكلام: اغفر لنا ذنوبنا، الصغائر منها والكبائر. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس في قول الله: { وإسرافنا فى أمرنا } قال: خطايانا. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { وإسرافنا فى أمرنا }: خطايانا وظلمنا أنفسنا. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد الله بن سليمان، قال: سمعت الضحاك في قوله: { وإسرافنا فى أمرنا } يعني: الخطايا الكبار. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم، قال: الكبائر. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: { وإسرافنا فى أمرنا } قال: خطايانا. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { وإسرافنا فى أمرنا } يقول: خطايانا. وأما قوله: { وثبت أقدامنا } فإنه يقول: اجعلنا ممن يثبت لحرب عدوك وقتالهم، ولا تجعلنا ممن ينهزم فيفر منهم، ولا يثبت قدمه في مكان واحد لحربهم. { وانصرنا على القوم الكفرين } يقول: وانصرنا على الذين جحدوا وحدانيتك ونبوة نبيك. وإنما هذا تأنيب من الله عز وجل عباده الذين فروا عن العدو يوم أحد وتركوا قتالهم، وتأديب لهم، يقول الله عز وجل: هلا فعلتم إذ قيل لكم: قتل نبيكم، كما فعل هؤلاء الربيون، الذين كانوا قبلكم من أتباع الأنبياء، إذ قتلت أنبياؤهم، فصبرتم لعدوكم صبرهم، ولم تضعفوا وتستكينوا لعدوكم، فتحاولوا الارتداد على أعقابكم، كما لم يضعف هؤلاء الربيون ولم يستكينوا لعدوهم، وسألتم ربكم النصر والظفر كما سألوا، فينصركم الله عليهم كما نصروا، فإن الله يحب من صبر لأمره وعلى جهاد عدوه، فيعطيه النصر والظفر على عدوه. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا فى أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكفرين }: أي فقولوا كما قالوا، واعلموا أنما ذلك بذنوب منكم، واستغفروا كما استغفروا، وامضوا على دينكم كما مضوا على دينهم، ولا ترتدوا على أعقابكم راجعين، واسألوه كما سألوه أن يثبت أقدامكم، واستنصروه كما استنصروه على القوم الكافرين.
فكل هذا من قولهم قد كان وقد قتل نبيهم، فلم يفعلوا كما فعلتم. والقراءة التي هي القراءة في قوله: { وما كان قولهم } النصب لإجماع قراء الأمصار على ذلك نقلا مستفيضا وراثة عن الحجة. وإنما اختير النصب في القول، لأن «إلا أن» لا تكون إلا معرفة، فكانت أولى بأن تكون هي الاسم دون الأسماء التي قد تكون معرفة أحيانا ونكرة أحيانا، ولذلك اختير النصب في كل اسم ولي «كان» إذا كان بعده «أن» الخفيفة، كقوله:
فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه
[العنكبوت: 24] وقوله:
ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا
[الأنعام: 23]. فأما إذا كان الذي يلي كان اسما معرفة، والذي بعده مثله، فسواء الرفع والنصب في الذي ولي «كان»، فإن جعلت الذي ولي «كان» هو الاسم رفعته ونصبت الذي بعده، وإن جعلت الذي ولي «كان» هو الخبر نصبته ورفعت الذي بعده، وذلك كقوله جل ثناؤه:
Unknown page