Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-Qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
يعني تعالى ذكره بذلك: وما محمد إلا رسول كبعض رسل الله الذين أرسلهم إلى خلقه داعيا إلى الله وإلى طاعته، الذين حين انقضت آجالهم ماتوا وقبضهم الله إليه يقول. جل ثناؤه: فمحمد صلى الله عليه وسلم إنما هو فيما الله به صانع من قبضه إليه عند انقضاء مدة أجله كسائر مدة رسله إلى خلقه الذين مضوا قبله وماتوا عند انقضاء مدة آجالهم. ثم قال لأصحاب محمد معاتبهم على ما كان منهم من الهلع والجزع حين قيل لهم بأحد: إن محمدا قتل، ومقبحا إليهم انصراف من انصرف منهم عن عدوهم وانهزامه عنهم: { أفإين مات } محمد أيها القوم لانقضاء مدة أجله، أو قتله عدوكم، { انقلبتم على أعقبكم } يعني ارتددتم عن دينكم الذي بعث الله محمدا بالدعاء إليه، ورجعتم عنه كفارا بالله بعد الإيمان به، وبعد ما قد وضحت لكم صحة ما دعاكم محمد إليه، وحقيقة ما جاءكم به من عند ربه. { ومن ينقلب على عقبيه } يعني بذلك: ومن يرتدد منكم عن دينه ويرجع كافرا بعد إيمانه، { فلن يضر الله شيئا } يقول: فلن يوهن ذلك عزة الله ولا سلطانه، ولا يدخل بذلك نقص في ملكه، بل نفسه يضر بردته، وحظ نفسه ينقص بكفره. { وسيجزى الله الشكرين } يقول: وسيثيب الله من شكره على توفيقه وهدايته إياه لدينه بنبوته على ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إن هو مات أو قتل واستقامته على منهاجه، وتمسكه بدينه وملته بعده. كما: حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: أخبرنا سيف بن عمر، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي في قوله: { وسيجزى الله الشكرين }: الثابتين على دينهم أبا بكر وأصحابه. فكان علي رضي الله عنه يقول: كان أبو بكر أمين الشاكرين وأمين أحباء الله، وكان أشكرهم وأحبهم إلى الله. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن العلاء بن بدر، قال: إن أبا بكر أمين الشاكرين. وتلا هذه الآية: { وسيجزى الله الشكرين }. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { وسيجزى الله الشكرين }: أي من أطاعه وعمل بأمره. وذكر أن هذه الآية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن انهزم عنه بأحد من أصحابه. ذكر الأخبار الواردة بذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } إلى قوله: { وسيجزى الله الشكرين } ذاكم يوم أحد حين أصابهم القرح والقتل، ثم تنازعوا نبي الله صلى الله عليه وسلم بقية ذلك، فقال أناس: لو كان نبيا ما قتل.
وقال أناس من علية أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم: قاتلوا على ما قاتل عليه محمد نبيكم، حتى يفتح الله لكم، أو تلحقوا به. فقال الله عز وجل: { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقبكم } يقول: إن مات نبيكم، أو قتل، ارتددتم كفارا بعد إيمانكم. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بنحوه، وزاد فيه: قال الربيع: وذكر لنا والله أعلم أن رجلا من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه، فقال: يا فلان أشعرت أن محمدا قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل، فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم! فأنزل الله عز وجل: { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقبكم } يقول: ارتددتم كفارا بعد إيمانكم. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: لما برز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد إليهم يعني إلى المشركين أمر الرماة فقاموا بأصل الجبل في وجه خيل المشركين، وقال:
" لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم "
وأمر عليهم عبد الله بن جبير أخا خوات بن جبير. ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على المشركين، فهزماهم، وحمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فهزموا أبا سفيان فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين قدم، فرمته الرماة فانقمع. فلما نظر الرماة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهونه، بادروا الغنيمة، فقال بعضهم: لا نترك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم! فانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر فلما رأى خالد قلة الرماح، صاح في خيله، ثم حمل فقتل الرماة، وحمل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأى المشركون أن خيلهم تقاتل، تبادروا فشدوا على المسلمين فهزموهم وقتلوهم، فأتى ابن قميئة الحارثي أحد بني الحارث بن عبد مناف بن كنانة، فرمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر أنفه ورباعيته، وشجه في وجهه فأثقله، وتفرق عنه أصحابه، ودخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة، فقاموا عليها، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس:
" إلي عباد الله! إلي عباد الله! "
فاجتمع إليه ثلاثون رجلا، فجعلوا يسيرون بين يديه، فلم يقف أحد إلا طلحة وسهل بن حنيف، فحماه طلحة، فرمي بسهم في يده فيبست يده، وأقبل أبي بن خلف الجمحي وقد حلف ليقتلن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" بل أنا أقتلك "
فقال: يا كذاب أين تفر؟ فحمل عليه فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم في جنب الدرع، فجرح جرحا خفيفا، فوقع يخور خوران الثور، فاحتملوه وقالوا: ليس بك جراحة، قال: أليس قال: لأقتلنك؟ لو كانت لجميع ربيعة ومضر لقتلتهم. ولم يلبث إلا يوما أو بعض يوم حتى مات من ذلك الجرح. وفشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، فقال بعض أصحاب الصخرة: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي، فنأخذ لنا أمنة من أبي سفيان! يا قوم إن محمدا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم! قال أنس بن النضر: يا قوم إن كان محمد قد قتل، فإن رب محمد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد صلى الله عليه وسلم! اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء. ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل. وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة فلما رأوه وضع رجل سهما في قوسه فأراد أن يرميه، فقال: «أنا رسول الله»، ففرحوا حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا، وفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أن في أصحابه من يمتنع. فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذهب عنهم الحزن، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه ويذكرون أصحابه الذين قتلوا، فقال الله عز وجل للذين قالوا: إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم: { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقبكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشكرين }. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { ومن ينقلب على عقبيه } قال: يرتد. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه: أن رجلا من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه، فقال: يا فلان أشعرت أن محمدا قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، قال: ثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عبد النجار، قال: انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قد قتل محمد رسول الله.
قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله! واستقبل القوم فقاتل حتى قتل. وبه سمي أنس بن مالك. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قال: نادى مناد يوم أحد حين هزم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: ألا إن محمدا قد قتل، فارجعوا إلى دينكم الأول! فأنزل الله عز وجل: { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل }... الآية. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: ألقي في أفواه المسلمين يوم أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل، فنزلت هذه الآية: { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل }... الآية. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتزل هو وعصابة معه يومئذ على أكمة، والناس يفرون، ورجل قائم على الطريق يسألهم: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وجعل كلما مروا عليه يسألهم، فيقولون: والله ما ندري ما فعل! فقال: والذي نفسي بيده لئن كان النبي صلى الله عليه وسلم قتل لنعطينهم بأيدينا، إنهم لعشائرنا وإخواننا! وقالوا: إن محمدا إن كان حيا لم يهزم، ولكنه قد قتل، فترخصوا في الفرار حينئذ، فأنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم: { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل }... الآية. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل }... الآية: ناس من أهل الارتياب والمرض والنفاق، قالوا يوم فر الناس عن نبي الله صلى الله عليه وسلم، وشج فوق حاجبه، وكسرت رباعيته: قتل محمد، فالحقوا بدينكم الأول! فذلك قوله: { أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقبكم }. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقبكم }؟ قال: ما بينكم وبين أن تدعو الإسلام وتنقلبوا على أعقابكم، إلا أن يموت محمد أو يقتل، فسوف يكون أحد هذين، فسوف يموت أو يقتل. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } إلى قوله: { وسيجزى الله الشكرين }: أي لقول الناس قتل محمد، وانهزامهم عند ذلك وانصرافهم عن عدوهم، أي أفئن مات نبيكم أو قتل رجعتم عن دينكم كفارا كما كنتم، وتركتم جهاد عدوكم وكتاب الله، وما قد خلف نبيه من دينه معكم وعندكم وقد بين لكم فيما جاءكم عني أنه ميت ومفارقكم؟ { ومن ينقلب على عقبيه }: أي يرجع عن دينه، { فلن يضر الله شيئا }: أي لن ينقص ذلك من عز الله ولا ملكه ولا سلطانه.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: قال: أهل المرض والارتياب والنفاق، حين فر الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم: قد قتل محمد، فألحقوا بدينكم الأول! فنزلت هذه الآية. ومعنى الكلام: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفتنقلبون على أعقابكم إن مات محمد أو قتل؟ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا! فجعل الاستفهام في حرف الجزاء، ومعناه أن يكون في جوابه خبر وكذلك كل استفهام دخل على جزاء، فمعناه أن يكون في جوابه خبر لأن الجواب خبر يقوم بنفسه والجزاء شرط لذلك الخبر ثم يجزم جوابه وهو كذلك، ومعناه الرفع لمجيئه بعد الجزاء، كما قال الشاعر:
Unknown page