Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-Qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنها قائمة على كتاب الله وما أمر به فيه. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله: { أمة قائمة } يقول: قائمة على كتاب الله وفرائضه وحدوده. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه، عن الربيع، قوله: { أمة قائمة } يقول: قائمة على كتاب الله وحدوده وفرائضه. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { من أهل الكتب أمة قائمة } يقول: أمة مهتدية قائمة على أمر الله، لم تنزع عنه وتتركه كما تركه الآخرون وضيعوه. وقال آخرون: بل معنى قائمة: مطيعة. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { أمة قائمة } الآية، يقول: ليس هؤلاء اليهود، كمثل هذه الأمة التي هي قانتة لله والقانتة: المطيعة. وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك ما قاله ابن عباس وقتادة، ومن قال بقولهما على ما روينا عنهم، وإن كان سائر الأقوال الأخر متقاربة المعنى من معنى ما قاله ابن عباس وقتادة في ذلك. وذلك أن معنى قوله: { قائمة } مستقيمة على الهدى، وكتاب الله وفرائضه، وشرائع دينه، بالعدل والطاعة، وغير ذلك من أسباب الخير من صفة أهل الاستقامة على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونظير ذلك الخبر الذي رواه النعمان بن بشير، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم ركبوا سفينة، ثم ضرب لهم مثلا "
فالقائم على حدود الله هو الثابت على التمسك بما أمره الله به واجتناب ما نهاه الله عنه. فتأويل الكلام: من أهل الكتاب جماعة معتصمة بكتاب الله، متمسكة به، ثابتة على العمل بما فيه، وما سن له رسوله صلى الله عليه وسلم. القول في تأويل قوله تعالى: { يتلون ءايت الله ءاناء اليل وهم يسجدون }. يعني بقوله: { يتلون ءايت الله }: يقرؤون كتاب الله آناء الليل، ويعني بقوله: { ءايت الله }: ما أنزل في كتابه من العبر والمواعظ، يقول: يتلون ذلك آناء الليل، يقول: في ساعات الليل، فيتدبرونه ويتفكرون فيه. وأما { آناء اليل }: فساعات الليل، واحدها: إني، كما قال الشاعر:
حلو ومر كعطف القدح مرته
في كل إني قضاه الليل ينتعل
وقد قيل إن واحد الآناء: إنى مقصور، كما واحد الأمعاء: معى. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويله: ساعات الليل، كما قلنا.
ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { يتلون ءايت الله ءاناء اليل }: أي ساعات الليل. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: { آناء اليل }: ساعات الليل. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال عبد الله بن كثير: سمعنا العرب تقول: { آناء اليل }: ساعات الليل. وقال آخرون { آناء اليل }: جوف الليل. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { يتلون ءايت الله ءاناء اليل } أما آناء الليل: فجوف الليل. وقال آخرون: بل عني بذلك قوم كانوا يصلون العشاء الأخيرة. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن الحسن بن يزيد العجلي، عن عبد الله بن مسعود في قوله: { يتلون ءايت الله ءاناء اليل }: صلاة العتمة، هم يصلونها، ومن سواهم من أهل الكتاب لا يصليها. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني يحيى بن أيوب، عن عبيد الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة كان عند بعض أهله ونسائه، فلم يأتنا لصلاة العشاء حتى ذهب ليل، فجاء ومنا المصلي ومنا المضطجع، فبشرنا وقال:
" إنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب "
، فأنزل الله: { ليسوا سواء من أهل الكتب أمة قائمة يتلون ءايت الله ءاناء اليل وهم يسجدون }. حدثني يونس، قال: ثنا، علي بن معبد، عن أبي يحيى الخراساني، عن نصر بن طريف، عن عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ننتظر العشاء يريد العتمة فقال لنا:
" ما على الأرض أحد من أهل الأديان ينتظر هذه الصلاة في هذا الوقت غيركم "
Unknown page