Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-Qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
يعني بذلك جل ثناؤه: وما ينبغي لأحد من البشر، والبشر: جمع بني آدم، لا واحد له من لفظه، مثل القوم والخلق، وقد يكون اسما لواحد. { أن يؤتيه الله الكتب } يقول: أن ينزل الله عليه كتابه، { والحكم } يعني: ويعلمه فصل الحكمة، { والنبوة } يقول: ويعطيه النبوة، { ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله } يعني: ثم يدعو الناس إلى عبادة نفسه دون الله، وقد آتاه الله ما آتاه من الكتاب والحكم والنبوة، ولكن إذا آتاه الله ذلك فإنما يدعوهم إلى العلم بالله، ويحدوهم على معرفة شرائع دينه، وأن يكونوا رؤساء في المعرفة بأمر الله ونهيه، وأئمة في طاعته وعبادته بكونهم معلمي الناس الكتاب، وبكونهم دارسيه. وقيل: إن هذه الآية نزلت في قوم من أهل الكتاب قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أتدعونا إلى عبادتك؟ كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني، يقال له الرئيس: أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ أو كما قال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" معاذ الله أن نعبد غير الله، أو نأمر بعبادة غيره، ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني "
أو كما قال فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم: { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتب والحكم والنبوة }... الآية، إلى قوله بعد:
إذ أنتم مسلمون
[آل عمران: 80]. ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال: ثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال أبو رافع القرظي، فذكر نحوه. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله } يقول: ما كان ينبغي لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة يأمر عباده أن يتخذوه ربا من دون الله. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: كان ناس من يهود يتعبدون الناس من دون ربهم، بتحريفهم كتاب الله عن موضعه، فقال الله عز وجل: { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله } ثم يأمر الناس بغير ما أنزل الله في كتابه.
القول في تأويل قوله تعالى: { ولكن كونوا ربنيين }. يعني جل ثناؤه بذلك: ولكن يقول لهم: كونوا ربانيين، فترك القول استغناء بدلالة الكلام عليه. وأما قوله: { كونوا ربنيين } فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معناه: كونوا حكماء علماء. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أبي رزين: { كونوا ربنيين } قال: حكماء علماء. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رزين: { كونوا ربنيين } قال: حكماء علماء. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن أبي رزين، مثله. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي رزين: { ولكن كونوا ربنيين }: حكماء علماء. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن عوف، عن الحسن في قوله: { كونوا ربنيين } قال: كونوا فقهاء علماء. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { كونوا ربنيين } قال: فقهاء. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني القاسم، عن مجاهد، قوله: { ولكن كونوا ربنيين } قال: فقهاء. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { ولكن كونوا ربنيين } قال: كونوا فقهاء علماء. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن منصور بن المعتمر، عن أبي رزين في قوله: { كونوا ربنيين } قال: علماء حكماء. قال معمر: قال قتادة. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي في قوله: { كونوا ربنيين } أما الربانيون: فالحكماء الفقهاء. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال الربانيون: الفقهاء العلماء، وهم فوق الأحبار. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال : ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: { ولكن كونوا ربنيين } يقول: كونوا حكماء فقهاء. حدثت عن المنجاب، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي حمزة الثمالي، عن يحيى بن عقيل في قوله الربانيون والأحبار، قال: الفقهاء العلماء.
حدثت عن المنجاب، قال: ثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، مثله. حدثني ابن سنان القزاز، قال: ثنا الحسين بن الحسن الأشقر، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: { كونوا ربنيين } قال: كونوا حكماء فقهاء. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { كونوا ربنيين } يقول: كونوا فقهاء علماء. وقال آخرون: بل هم الحكماء الأتقياء. ذكر من قال ذلك: حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قوله: { كونوا ربنيين } قال: حكماء أتقياء. وقال آخرون: بل هم ولاة الناس وقادتهم. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول في قوله: { كونوا ربنيين } قال: الربانيون: الذين يربون الناس ولاة هذا الأمر، يربونهم: يلونهم. وقرأ: { لولا ينههم الربنيون والأحبار } قال: الربانيون: الولاة، والأحبار: العلماء. قال أبو جعفر: وأولى الأقوال عندي بالصواب في الربانيين أنهم جمع رباني، وأن الرباني المنسوب إلى الربان: الذي يرب الناس، وهو الذي يصلح أمورهم ويربها، ويقوم بها، ومنه قول علقمة بن عبدة:
وكنت امرأ أفضت إليك ربابتي
وقبلك ربتني فضعت ربوب
يعني بقوله: «ربتني»: ولي أمري والقيام به قبلك من يربه ويصلحه، فلم يصلحوه، ولكنهم أضاعوني فضعت، يقال منه: رب أمري فلان فهو بربه ربا وهو رابه، فإذا أريد به المبالغة في مدحه قيل: هو ربان، كما يقال: هو نعسان، من قولهم: نعس ينعس، وأكثر ما يجيء من الأسماء على فعلان ما كان من الأفعال الماضية على فعل مثل قولهم: هو سكران وعطشان وريان، من سكر يسكر، وعطش يعطش، وروي يروى، وقد يجيء مما كان ماضيه على فعل يفعل، نحو ما قلنا من نعس ينعس، ورب يرب. فإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا، وكان الربان ما ذكرنا، والرباني: هو المنسوب إلى من كان بالصفة التي وصفت، وكان العالم بالفقه والحكمة من المصلحين، يرب أمور الناس بتعليمه إياهم الخير، ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم، وكان كذلك الحكيم التقي لله، والولي الذي يلي أمور الناس على المنهاج الذي وليه المقسطون من المصلحين أمور الخلق بالقيام فيهم، بما فيه صلاح عاجلهم وآجلهم، وعائدة النفع عليهم في دينهم ودنياهم كانوا جميعا مستحقين أنهم ممن دخل في قوله عز وجل { ولكن كونوا ربنيين }. فالربانيون إذا، هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا، ولذلك قال مجاهد: «وهم فوق الأحبار»، لأن الأحبار هم العلماء. والرباني: الجامع إلى العلم والفقه، البصر بالسياسة والتدبير، والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دنياهم ودينهم.
Unknown page