654

[3.37]

يعني بذلك جل ثناؤه: تقبل مريم من أمها حنة بتحريرها إياها للكنيسة وخدمتها، وخدمة ربها بقبول حسن، والقبول : مصدر من قبلها ربها. فأخرج المصدر على غير لفظ الفعل، ولو كان على لفظه لكان: فتقبلها ربها تقبلا حسنا، وقد تفعل العرب ذلك كثيرا أن يأتوا بالمصادر على أصول الأفعال وإن اختلفت ألفاظها في الأفعال بالزيادة، وذلك كقولهم: تكلم فلان كلاما، ولو أخرج المصدر على الفعل لقيل: تكلم فلان تكلما، ومنه قوله: { وأنبتها نباتا حسنا } ولم يقل: إنباتا حسنا. وذكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: لم نسمع العرب تضم القاف في قبول، وكان القياس الضم لأنه مصدر مثل الدخول والخروج، قال: ولم أسمع بحرف آخر في كلام العرب يشبهه. حدثت بذلك عن أبي عبيد، قال: أخبرني اليزيدي عن أبي عمرو. وأما قوله: { وأنبتها نباتا حسنا } فإن معناه: وأنبتها ربها في غذائه ورزقه نباتا حسنا حتى تمت فكملت امرأة بالغة تامة. كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال الله عز وجل: { فتقبلها ربها بقبول حسن } قال: تقبل من أمها ما أرادت بها للكنيسة وآجرها فيها { وأنبتها } ، قال: نبتت في غذاء الله. القول في تأويل قوله تعالى: { وكفلها زكريا }. اختلفت القراء في قراءة قوله: { وكفلها } ، فقرأته عامة قراء أهل الحجاز والمدينة والبصرة: «وكفلها» مخففة الفاء بمعنى: ضمها زكريا إليه، اعتبارا بقول الله عز وجل:

يلقون أقلمهم أيهم يكفل مريم

[آل عمران: 44]. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين: { وكفلها زكريا } بمعنى: وكفلها الله زكريا. وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي قراءة من قرأ: { وكفلها } مشددة الفاء بمعنى: وكفلها الله زكريا، بمعنى: وضمها الله إليه لأن زكريا أيضا ضمها إليه بإيجاب الله له ضمها إليه بالقرعة التي أخرجها الله له، والآية التي أظهرها لخصومه فيها، فجعله بها أولى منهم، إذ قرع فيها من شاحه فيها. وذلك أنه بلغنا أن زكريا وخصومه في مريم إذ تنازعوا فيها أيهم تكون عنده، تساهموا بقداحهم فرموا بها في نهر الأردن، فقال بعض أهل العلم: رتب قدح زكريا، فقام فلم يجر به الماء وجرى بقداح الآخرين الماء، فجعل الله ذلك لزكريا أنه أحق المتنازعين فيها. وقال آخرون: بل صعد قدح زكريا في النهر، وانحدرت قداح الآخرين مع جرية الماء وذهبت، فكان ذلك له علما من الله في أنه أولى القوم بها. وأي الأمرين كان من ذلك فلا شك أن ذلك كان قضاء من الله بها لزكريا على خصومه بأنه أولاهم بها، وإذا كان ذلك كذلك، فإنما ضمها زكريا إلى نفسه بضم الله إياها إليه بقضائه له بها على خصومه عند تشاحهم فيها واختصامهم في أولاهم بها.

وإذا كان ذلك كذلك كان بينا أن أولى القراءتين بالصواب ما اخترنا من تشديد «كفلها». وأما ما اعتل به القارئون ذلك بتخفيف الفاء من قول الله: { أيهم يكفل مريم } وأن موجب صحة اختيارهم التخفيف في قوله: { وكفلها } فحجة دالة على ضعف احتيال المحتج بها. وذلك أنه غير ممتنع ذو عقل من أن يقول قائل: كفل فلان فلانا فكفله فلان، فكذلك القول في ذلك: ألقى القوم أقلامهم أيهم يكفل مريم، بتكفيل الله إياه بقضائه الذي يقضي بينهم فيها عند إلقائهم الأقلام. وكذلك اختلفت القراء في قراءة «زكريا»، فقرأته عامة قراء المدينة بالمد، وقرأته عامة قراء الكوفة بالقصر. وهما لغتان معروفتان وقراءتان مستفيضتان في قراءة المسلمين، وليس في القراءة بإحداهما خلاف لمعنى القراءة الأخرى، فبأيتهما قرأ القارىء فهو مصيب. غير أن الصواب عندنا إذا مد «زكريا»، أن ينصب بغير تنوين، لأنه اسم من أسماء العجم لا يجرى، ولأن قراءتنا في «كفلها» بالتشديد وتثقيل الفاء، فزكرياء منصوب بالفعل الواقع عليه. وفي زكريا لغة ثالثة لا تجوز القراءة بها لخلافها مصاحف المسلمين وهو «زكري» بحذف المدة والياء الساكنة، تشبهه العرب بالمنسوب من الأسماء فتنونه، وتجريه في أنواع الإعراب مجاري ياء النسبة. فتأويل الكلام: وضمها الله إلى زكريا، من قول الشاعر:

فهو لضلال الهوام كافل

يراد أنه لما ضل من متفرق النعم ومنتشره، ضام إلى نفسه وجامع. وقد روي:

فهو لضلال الهوافي كافل

بمعنى أنه لما ند فهرب من النعم ضام، من قولهم: هفا الظليم: إذا أسرع الطيران، يقال منه للرجل : ما لك تكفل كل ضالة؟ يعني به: تضمها إليك وتأخذها. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الرحمن بن الأسود الطفاوي، قال: ثنا محمد بن ربيعة، عن النضر بن عربي، عن عكرمة في قوله:

إذ يلقون أقلمهم أيهم يكفل مريم

Unknown page