Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-Qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
" إنها أيام أكل وشرب وذكر الله "
لم يخبر أمته أنها الأيام المعدودات التي ذكرها الله في كتابه، فما تنكر أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم عنى بقوله: وذكر الله: الأيام المعلومات؟ قيل: غير جائز أن يكون عنى ذلك، لأن الله لم يكن يوجب في الأيام المعلومات من ذكره فيها ما أوجب في الأيام المعدودات، وإنما وصف المعلومات جل ذكره بأنها أيام يذكر فيها اسم الله على بهائم الأنعام ، فقال: ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فلم يوجب في الأيام المعلومات من ذكره كالذي أوجبه في الأيام المعدودات من ذكره، بل أخبر أنها أيام ذكره على بهائم الأنعام. فكان معلوما إذ قال صلى الله عليه وسلم لأيام التشريق:
" إنها أيام أكل وشرب وذكر الله "
فأخرج قوله: «وذكر الله»، مطلقا بغير شرط ولا إضافة، إلى أنه الذكر على بهائم الأنعام، أنه عنى بذلك الذكر الذي ذكره الله في كتابه، فأوجبه على عباده مطلقا بغير شرط ولا إضافة إلى معنى في الأيام المعدودات. وأنه لو كان أراد بذلك صلى الله عليه وسلم وصف الأيام المعلومات به، لوصل قوله: «وذكر»، إلى أنه ذكر الله على ما رزقهم من بهائم الأنعام، كالذي وصف الله به ذلك ولكنه أطلق ذلك باسم الذكر من غير وصله بشيء، كالذي أطلقه تبارك وتعالى باسم الذكر، فقال: { واذكروا الله في أيام معدودات } فكان ذلك من أوضح الدليل على أنه عنى بذلك ما ذكره الله في كتابه وأوجبه في الأيام المعدودات.
القول في تأويل قوله تعالى: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى }. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: فمن تعجل في يومين من أيام التشريق فنفر في اليوم الثاني فلا إثم عليه في نفره وتعجله في النفر، ومن تأخر عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث حتى ينفر في اليوم الثالث فلا إثم عليه في تأخره. ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا هشيم، عن عطاء، قال: لا إثم عليه في تعجيله، ولا إثم عليه في تأخيره. حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا هشيم، عن عوف، عن الحسن، مثله. حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن عكرمة، مثله. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله: { فمن تعجل في يومين } يوم النفر { فلا إثم عليه } لا حرج عليه ومن تأخر فلا إثم عليه. حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: أما من تعجل في يومين فلا إثم عليه، يقول: من نفر في يومين فلا جناح عليه، ومن تأخر فنفر في الثالث فلا جناح عليه. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { فمن تعجل في يومين } يقول: فمن تعجل في يومين: أي من أيام التشريق فلا إثم عليه، ومن أدركه الليل بمنى من اليوم الثاني من قبل أن ينفر فلا نفر له حتى تزول الشمس من الغد. { ومن تأخر فلا إثم عليه } يقول: من تأخر إلى اليوم الثالث من أيام التشريق فلا إثم عليه. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه } قال: رخص الله في أن ينفروا في يومين منها إن شاءوا، ومن تأخر في اليوم الثالث فلا إثم عليه. حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم أنه قال في هذه الآية: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه } قال في تعجيله. وحدثنا هناد بن السري، قال: ثنا ابن أبي زائدة، قال: ثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم قال: لا إثم عليه: لا إثم على من تعجل، ولا إثم على من تأخر. وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، قال: هذا في التعجيل. حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك وإسرائيل، عن زيد بن جبير، قال: سمعت ابن عمر يقول: حل النفر في يومين لمن اتقى.
وحدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس. { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه } في تعجله { ومن تأخر فلا إثم عليه } في تأخره. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أللمكي أن ينفر في النفر الأول؟ قال: نعم، قال الله عز وجل: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه } فهي للناس أجمعين. حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه } قال: ليس عليه إثم. حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: { فمن تعجل في يومين } بعد يوم النحر فلا إثم عليه } يقول: من نفر من منى في يومين بعد النحر فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه في تأخره، فلا حرج عليه. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه } في تعجله { ومن تأخر فلا إثم عليه } في تأخره. وقال آخرون: بل معناه: فمن تعجل في يومين فهو مغفور له لا إثم عليه، ومن تأخر كذلك. ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن ثوير، عن أبيه، عن عبد الله: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه } قال: ليس عليه إثم. وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه } أي غفر له { ومن تأخر فلا إثم عليه } قال: غفر له. حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا مسعر، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه } أي غفر له. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا المحاربي، وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد جميعا. عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله في قوله: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه } قال: قد غفر له. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم في قوله: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه } قد غفر له. وحدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله قال في هذه الآية: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه } قال: برىء من الإثم.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن ابن عمر: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه } قال: رجع مغفورا له. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد في قوله: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه } قال: قد غفر له. حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن جابر، عن أبي عبد الله، عن ابن عباس: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه } قال: قد غفر له، إنهم يتأولونها على غير تأويلها، إن العمرة لتكفر ما معها من الذنوب فكيف بالحج؟. حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن إبراهيم وعامر: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه } قالا: غفر له. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: ثني من أصدقه، عن ابن مسعود قوله: { فلا إثم عليه } قال: خرج من الإثم كله { ومن تأخر فلا إثم عليه } قال: برىء من الإثم كله، وذلك في الصدر عن الحج. قال ابن جريج: وسمعت رجلا يحدث عن عطاء بن أبي رباح، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: فلا إثم عليه، قال: غفر له، ومن تأخر فلا إثم عليه، قال: غفر له. حدثني أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا أسود بن سوادة القطان، قال: سمعت معاوية بن قرة قال: يخرج من ذنوبه. وقال آخرون: معنى ذلك: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه فيما بينه وبين السنة التي بعدها. ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسحاق بن يحيى بن طلحة، قال: سألت مجاهدا عن قول الله عز وجل: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه } قال: لمن في الحج، ليس عليه إثم حتى الحج من عام قابل. وقال آخرون: بل معناه: فلا إثم عليه إن اتقى الله فيما بقي من عمره. ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه } قال: ذهب إثمه كله إن اتقى فيما بقي. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه عن المغيرة، عن إبراهيم، مثله.
وحدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، مثله. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه } قال: لمن اتقى بشرط. حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه } لا جناح عليه، ومن تأخر إلى اليوم الثالث فلا جناح عليه لمن اتقى وكان ابن عباس يقول: وددت أني من هؤلاء ممن يصيبه اسم التقوى. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: هي في مصحف عبد الله: لمن اتقى الله. حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه } فلا حرج عليه، يقول لمن اتقى معاصي الله عز وجل. وقال آخرون: بل معنى ذلك: فمن تعجل في يومين من أيام التشريق فلا إثم عليه، أي فلا حرج عليه في تعجيله النفر إن هو اتقى قتل الصيد حتى ينقضي اليوم الثالث، ومن تأخر إلى اليوم الثالث فلم ينفر فلا حرج عليه. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا محمد بن أبي صالح: لمن اتقى أن يصيب شيئا من الصيد حتى يمضي اليوم الثالث. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه } ولا يحل له أن يقتل صيدا حتى تخلو أيام التشريق. وقال آخرون: بل معناه: فمن تعجل في يومين من أيام التشريق فنفر فلا إثم عليه، أي مغفور له. ومن تأخر فنفر في اليوم الثالث فلا إثم عليه، أي مغفور له إن اتقى على حجه أن يصيب فيه شيئا نهاه الله عنه. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { لمن اتقى } قال: يقول لمن اتقى على حجه. قال قتادة: ذكر لنا أن ابن مسعود كان يقول: من اتقى في حجه غفر له ما تقدم من ذنبه، أو ما سلف من ذنبه. وأولى هذه الأقوال بالصحة قول من قال: تأويل ذلك: فمن تعجل في يومين من أيام منى الثلاثة فنفر في اليوم الثاني فلا إثم عليه، لحط الله ذنوبه، إن كان قد اتقى الله في حجه فاجتنب فيه ما أمره الله باجتنابه وفعل فيه ما أمره الله بفعله وأطاعه بأدائه على ما كلفه من حدوده. ومن تأخر إلى اليوم الثالث منهن فلم ينفر إلى النفر الثاني حتى نفر من غد النفر الأول، فلا إثم عليه لتكفير الله له ما سلف من آثامه وأجرامه، إن كان اتقى الله في حجة بأدائه بحدوده.
وإنما قلنا إن ذلك أولى تأويلاته لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه "
Unknown page