398

Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-Qurʾān

جامع البيان في تفسير القرآن

ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون

[يوسف: 87]. وكذلك التارك غزو المشركين وجهادهم في حال وجوب ذلك عليه في حال حاجة المسلمين إليه، مضيع فرضا، ملق بيده إلى التهلكة. فإذا كانت هذه المعاني كلها يحتملها قوله: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ولم يكن الله عز وجل خص منها شيئا دون شيء، فالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله نهى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا، والاستسلام للهلكة، وهي العذاب، بترك ما لزمنا من فرائضه، فغير جائز لأحد منا الدخول في شيء يكره الله منا مما نستوجب بدخولنا فيه عذابه. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن الأغلب من تأويل الآية: وأنفقوا أيها المؤمنون في سبيل الله، ولا تتركوا النفقة فيها فتهلكوا باستحقاقكم بترككم ذلك عذابي. كما: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } قال: التهلكة: عذاب الله. قال أبو جعفر: فيكون ذلك إعلاما منه لهم بعد أمره إياهم بالنفقة ما لمن ترك النفقة المفروضة عليه في سبيله من العقوبة في المعاد. فإن قال قائل: فما وجه إدخال الباء في قوله: { ولا تلقوا بأيديكم } وقد علمت أن المعروف من كلام العرب ألقيت إلى فلان درهما، دون ألقيت إلى فلان بدرهم؟ قيل: قد قيل إنها زيدت نحو زيادة القائل في الباء في قوله: جذبت بالثوب، وجذبت الثوب، وتعلقت به، وتعلقته، وتنبت بالدهن وإنما هو تنبت الدهن. وقال آخرون: الباء في قوله: { ولا تلقوا بأيديكم } أصل للكلمة، لأن كل فعل واقع كني عنه فهو مضطر إليها، نحو قولك في رجل: «كلمته»، فأردت الكناية عن فعله، فإذا أردت ذلك قلت: «فعلت به» قالوا: فلما كان الباء هي الأصل جاز إدخال الباء وإخراجها في كل فعل سبيله سبيل كلمته. وأما التهلكة، فإنها التفعلة من الهلاك. القول في تأويل قوله تعالى: { وأحسنوا إن الله يحب المحسنين }. يعني جل ثناؤه بقوله: { وأحسنوا } أحسنوا أيها المؤمنون في أداء ما ألزمتكم من فرائضي، وتجنب ما أمرتكم بتجنبه من معاصي، ومن الإنفاق في سبيلي، وعود القوي منكم على الضعيف ذي الخلة، فإني أحب المحسنين في ذلك.

كما: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا زيد بن الحباب، قال: أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق عن رجل من الصحابة في قوله: { وأحسنوا إن الله يحب المحسنين } قال: أداء الفرائض. وقال بعضهم: معناه: أحسنوا الظن بالله. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة: { وأحسنوا إن الله يحب المحسنين } قال: أحسنوا الظن بالله يبركم. وقال آخرون: أحسنوا بالعود على المحتاج. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { وأحسنوا أن الله يحب المحسنين } عودوا على من ليس في يده شيء.

[2.196]

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك أتموا الحج بمناسكه وسننه، وأتموا العمرة بحدودها وسننها. ذكر من قال ذلك: حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: ثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: { وأتموا الحج والعمرة لله } قال: هو في قراءة عبد الله: «وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت». قال: لا تجاوزوا بالعمرة البيت. قال إبراهيم: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: كذلك قال ابن عباس. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم أنه قرأ: «وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت». حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأ: «وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت». حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { وأتموا الحج والعمرة لله } يقول: من أحرم بحج أو بعمرة فليس له أن يحل حتى يتمها تمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة وزار البيت فقد حل من إحرامه كله، وتمام العمرة إذا طاف بالبيت وبالصفا والمروة، فقد حل. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { وأتموا الحج والعمرة لله } قال: ما أمروا فيهما. حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: { وأتموا الحج والعمرة لله } قال: قال إبراهيم عن علقمة بن قيس قال: «الحج»: مناسك الحج، و«العمرة»: لا يجاوز بها البيت. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: { وأتموا الحج والعمرة لله } قال: قال تقضي مناسك الحج عرفة والمزدلفة ومواطنها، والعمرة للبيت أن يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة ثم يحل. وقال آخرون: تمامهما أن تحرم بهما مفردين من دويرة أهلك. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله ابن سلمة، عن علي أنه قال: جاء رجل إلى علي فقال له في هذه الآية: { وأتموا الحج والعمرة لله } أن تحرم من دويرة أهلك. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال: جاء رجل إلى علي رضوان الله عليه، فقال: أرأيت قول الله عز وجل: { وأتموا الحج والعمرة لله }؟ قال: أن تحرم من دويرة أهلك.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير، قال: من تمام العمرة أن تحرم من دويرة أهلك. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن ثور بن يزيد، عن سليمان بن موسى، عن طاوس، قال: تمامهما: إفرادهما مؤتنفتين من أهلك. حدثني المثنى، قال: ثنا سفيان، عن ثور، عن سليمان بن موسى، عن طاوس: { وأتموا الحج والعمرة لله } قال: تفردهما مؤقتتين من أهلك، فذلك تمامهما. وقال آخرون: تمام العمرة أن تعمل في غير أشهر الحج، وتمام الحج أن يؤتى بمناسكه كلها حتى لا يلزم عامله دم بسبب قران ولا متعة. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { وأتموا الحج والعمرة لله } قال: وتمام العمرة ما كان في غير أشهر الحج. وما كان في أشهر الحج، ثم أقام حتى يحج فهي متعة عليه فيها الهدي إن وجد، وإلا صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { وأتموا الحج والعمرة لله } قال: ما كان في غير أشهر الحج فهي عمرة تامة، وما كان في أشهر الحج فهي متعة وعليه الهدي. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن ابن عون، قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: إن العمرة في أشهر الحج ليست بتامة. قال: فقيل له: العمرة في المحرم؟ قال: كانوا يرونها تامة. وقال آخرون: إتمامهما أن تخرج من أهلك لا تريد غيرهما. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني رجل، عن سفيان، قال: هو يعني تمامهما أن تخرج من أهلك لا تريد إلا الحج والعمرة، وتهل من الميقات ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة، حتى إذا كنت قريبا من مكة قلت: لو حججت أو اعتمرت. وذلك يجزىء، ولكن التمام أن تخرج له لا تخرج لغيره. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أتموا الحج والعمرة لله إذا دخلتم فيهما. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ليست العمرة واجبة على أحد من الناس. قال: فقلت له: قول الله تعالى: { وأتموا الحج والعمرة لله }؟ قال: ليس من الخلق أحد ينبغي له إذا دخل في أمر إلا أن يتمه، فإذا دخل فيها لم ينبغ له أن يهل يوما أو يومين ثم يرجع، كما لو صام يوما لم ينبغ له أن يفطر في نصف النهار. وكان الشعبي يقرأ ذلك رفعا. حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: حدثني سعيد بن أبي بردة أن الشعبي وأبا بردة تذاكرا العمرة، قال: فقال الشعبي: تطوع { وأتموا الحج والعمرة لله } وقال أبو بردة: هي واجبة { وأتموا الحج والعمرة لله }.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ابن عون، عن الشعبي أنه كان يقرأ { وأتموا الحج والعمرة لله }. وقد روي عن الشعبي خلاف هذا القول، وإن كان المشهور عنه من القول هو هذا. وذلك ما: حدثني به المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن الشعبي، قال: العمرة واجبة. فقراءة من قال: العمرة واجبة نصبها بمعنى أقيموا فرض الحج والعمرة. كما: حدثنا محمد بن المثنى، قال: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت أبا إسحاق، يقول: سمعت مسروقا يقول: أمرتم في كتاب الله بأربع: بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، والعمرة قال: ثم تلا هذه الآية:

ولله على الناس حج البيت

[آل عمران: 97] و { أتموا الحج والعمرة لله }. حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا يروي عن الحسن، عن مسروق، قال: أمرنا بإقامة أربعة: الصلاة، والزكاة، والعمرة، والحج، فنزلت العمرة من الحج منزلة الزكاة من الصلاة. حدثنا ابن بشار، قال: أنبأنا محمد بن بكر، قال: ثنا ابن جريج، قال: قال علي بن حسين وسعيد بن جبير، وسئلا: أواجبة العمرة على الناس؟ فكلاهما قال: ما نعلمها إلا واجبة، كما قال الله: { وأتموا الحج والعمرة لله }. حدثنا سوار بن عبد الله، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن عبد الملك بن أبي سليمان، قال: سأل رجل سعيد بن جبير عن العمرة فريضة هي أم تطوع؟ قال: فريضة. قال: فإن الشعبي يقول: هي تطوع. قال: كذب الشعبي وقرأ: { وأتموا الحج والعمرة لله }. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة عمن سمع عطاء يقول في قوله: { وأتموا الحج والعمرة لله } قال: هما واجبان: الحج، والعمرة. فتأويل هؤلاء في قوله تبارك وتعالى: { وأتموا الحج والعمرة لله } أنهما فرضان واجبان من الله تبارك وتعالى أمر بإقامتهما، كما أمر بإقامة الصلاة، وأنهما فريضتان، وأوجب العمرة وجوب الحج. وهم عدد كثير من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الحالفين كرهنا تطويل الكتاب بذكرهم وذكر الروايات عنهم. وقالوا: معنى قوله: { وأتموا الحج والعمرة لله } وأقيموا الحج والعمرة. ذكر من قال ذلك: حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي قوله: { وأتموا الحج والعمرة لله } يقول: أقيموا الحج والعمرة. حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسرائيل، عن ثوير، عن أبيه، عن علي: «وأقيموا الحج والعمرة للبيت» ثم هي واجبة مثل الحج. حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا ثوير، عن أبيه، عن عبد الله: «وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت» ثم قال عبد الله: والله لولا التحرج وأني لم أسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها شيئا، لقلت إن العمرة واجبة مثل الحج.

وكأنهم عنوا بقوله: أقيموا الحج والعمرة: ائتوا بهما بحدودهما وأحكامهما على ما فرض عليكم. وقال آخرون ممن قرأ قراءة هؤلاء بنصب العمرة: العمرة تطوع. ورأوا أنه لا دلالة على وجوبها في نصبهم العمرة في القراءة، إذ كان من الأعمال ما قد يلزم العبد عمله وإتمامه بدخوله فيه، ولم يكن ابتداء الدخول فيه فرضا عليه، وذلك كالحج التطوع لا خلاف بين الجميع فيه أنه إذا أحرم به أن عليه المضي فيه وإتمامه ولم يكن فرضا عليه ابتداء الدخول فيه. وقالوا: فكذلك العمرة غير فرض واجب الدخول فيها ابتداء، غير أن على من دخل فيها وأوجبها على نفسه إتمامها بعد الدخول فيها. قالوا: فليس في أمر الله بإتمام الحج والعمرة دلالة على وجوب فرضها. قالوا: وإنما أوجبنا فرض الحج بقوله عز وجل: { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا }. وممن قال ذلك جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر عن إبراهيم، قال: قال عبد الله: الحج فريضة، والعمرة تطوع. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن ابن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن النخعي، عن ابن مسعود مثله. وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن عثمة، قال: ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن سعيد بن جبير، قال: العمرة ليست بواجبة. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن سماك، قال: سألت إبراهيم عن العمرة فقال: سنة حسنة. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، مثله. حدثني المثنى، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن إبراهيم، مثله. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم، مثله. حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد، قال: ثنا عبد الله بن عون، عن الشعبي، قال: العمرة تطوع. فأما الذين قرءوا ذلك برفع العمرة فإنهم قالوا: لا وجه لنصبها، فالعمرة إنما هي زيارة البيت، ولا يكون مستحقا اسم معتمر إلا وهو له زائر قالوا: وإذا كان لا يستحق اسم معتمر إلا بزيارته، وهو متى بلغه فطاف به وبالصفا والمروة، فلا عمل يبقى بعده يؤمر بإتمامه بعد ذلك، كما يؤمر بإتمامه الحاج بعد بلوغه والطواف به وبالصفا والمروة بإتيان عرفة والمزدلفة، والوقوف بالمواضع التي أمر بالوقوف بها وعمل سائر أعمال الحج الذي هو من تمامه بعد إتيان البيت لم يكن لقول القائل للمعتمر أتم عمرتك وجه مفهوم، وإذا لم يكن له وجه مفهوم.

Unknown page