1224

قل ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون

ويتلوها قوله:

وكذب به قومك وهو الحق

وغير جائز أن يكون المؤمنون كانوا به مكذبين. فإذا كان غير جائز أن يكون ذلك كذلك، وكانت هذه الآية بين هاتين الآيتين، كان بينا أن ذلك وعيد لمن تقدم وصف الله إياه بالشرك وتأخر الخبر عنه بالتكذيب، لا لمن لم يجر له ذكر غير أن ذلك وإن كان كذلك فإنه قد عم وعيده بذلك كل من سلك سبيلهم من أهل الخلاف على الله وعلى رسوله والتكذيب بآيات الله من هذه وغيرها. وأما الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سألت ربي ثلاثا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة فجائز أن هذه الآية نزلت في ذلك الوقت وعيدا لمن ذكرت من المشركين ومن كان على منهاجهم من المخالفين ربهم، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن يعيذ أمته مما ابتلى به الأمم الذين استوجبوا من الله تعالى بمعصيتهم إياه هذه العقوبات فأعاذهم بدعائه إياه ورغبته إياه من المعاصي التي يستحقون بها من هذه الخلال الأربع من العقوبات أغلظها، ولم يعذهم من ذلك ما يستحقون به اثنتين منها. وأما الذين تأولوا أنه عني بجميع ما في هذه الآية هذه الأمة، فإني أراهم تأولوا أن في هذه الأمة من سيأتي من معاصي الله وركوب ما يسخط الله نحو الذي ركب من قبلهم من الأمم السالفة من خلافه والكفر به، فيحل بهم مثل الذي حل بمن قبلهم من المثلاث والنقمات وكذلك قال أبو العالية ومن قال بقوله: جاء منهن اثنتان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" سيكون في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف "

وأن قوما من أمته سيبيتون على لهو ولعب ثم يصبحون قردة وخنازير وذلك إذا كان، فلا شك أنه نظير الذي في الأمم الذين عتوا على ربهم في التكذيب وجحدوا آياته. وقد روي نحو الذي روي عن أبي العالية، عن أبي. حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا سفيان، قال: أخبرنا أبي، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا } قال: أربع خلال، وكلهن عذاب، وكلهن واقع قبل يوم القيامة، فمضت اثنتان بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة: ألبسوا شيعا، وأذيق بعضهم بأس بعض، وثنتان واقعتان لا محالة: الخسف، والرجم. القول في تأويل قوله تعالى: { انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون }. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: انظر يا محمد بعين قلبك إلى ترديدنا حججنا على هؤلاء المكذبين بربهم الجاحدين نعمه وتصريفنا فيهم. { لعلهم يفقهون } يقول: ليفقهوا ذلك ويعتبروه، فيذكروا ويزدجروا عما هم عليه مقيمون مما يسخطه الله منهم من عبادة الأوثان والأصنام، والتكذيب بكتاب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

[6.66-67]

يقول تعالى ذكره: { وكذب } يا محمد { قومك } بما تقول وتخبر وتوعد من الوعيد. { وهو الحق } يقول: والوعيد الذي أوعدناهم على مقامهم على شركهم من بعث العذاب من فوقهم أو من تحت أرجلهم أو لبسهم شيعا، وإذاقة بعضهم بأس بعض، الحق الذي لا شك فيه أنه واقع، إن هم لم يتوبوا وينيبوا مما هم عليه مقيمون من معصية الله والشرك به إلى طاعة الله والإيمان به. { قل لست عليكم بوكيل } يقول: قل لهم يا محمد: لست عليكم بحفيظ ولا رقيب، وإنما رسول أبلغكم مما أرسلت به إليكم. { لكل نبإ مستقر } يقول: لكل خبر مستقر، يعني قرار يستقر عنده ونهاية ينتهي إليها، فيتبين حقه وصدقه من كذبه وباطله. { وسوف تعلمون } يقول: وسوف تعلمون أيها المكذبون بصحة ما أخبركم به من وعيد الله إياكم أيها المشركون وحقيته عند حلول عذابه بكم. فرأوا ذلك وعاينوه فقتلهم يومئذ بأوليائه من المؤمنين. وبنحو الذي قلنا من التأويل في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { وكذب به قومك وهو الحق } يقول: كذبت قريش بالقرآن، وهو الحق. وأما الوكيل: فالحفيظ: { وأما لكل نبإ مستقر }: فكان نبأ القرآن استقر يوم بدر بما كان يعدهم من العذاب. حدثني المثني قال ثنا أبو حذيفة قال ثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد لكل نبأ مستقر بكل نبأ حقيقة أما في الدنيا وأما في الآخرة { وسوف تعلمون } ما كان في الدنيا فسوف ترونه، وما كان في الآخرة فسوف يبدو لكم. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { لكل نبإ مستقر } يقول: حقيقة. حدثني محمد بن سعد، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون } يقول: فعل وحقيقة، ما كان منه في الدنيا وما كان منه في الآخرة. وكان الحسن يتأول في ذلك أنه الفتنة التي كانت بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن جعفر بن حيان، عن الحسن أنه قرأ: { لكل نبإ مستقر } قال: حبست عقوبتها حتى إذا عمل ذنبها أرسلت عقوبتها.

[6.68]

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وإذا رأيت } يا محمد المشركين { الذين يخوضون في آياتنا } التي أنزلناها إليك، ووحينا الذي أوحيناه إليك، و «خوضهم فيها» كان استهزاءهم بها وسبهم من أنزلها وتكلم بها وتكذيبهم بها. { فأعرض عنهم } يقول: فصد عنهم بوجهك، وقم عنهم ولا تجلس معهم، { حتى يخوضوا في حديث غيره } يقول: حتى يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بآيات الله من حديثهم بينهم. { وإما ينسينك الشيطان } يقول: وإن أنساك الشيطان نهينا إياك عن الجلوس معهم والإعراض عنهم في حال خوضهم في آياتنا ثم ذكرت ذلك، فقهم عنهم ولا تقعد بعد ذكرك ذلك مع القوم الظالمين الذين خاضوا في غير الذي لهم الخوض فيه بما خاضوا به فيه وذلك هو معنى ظلمهم في هذا الموضع. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره } قال: نهاه الله أن يجلس مع الذين يخوضون في آيات الله يكذبون بها، فإن نسي فلا يقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين. حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ثنا محمد بن ثور قال أخبرنا معمر عن قتادة بنحوه حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن السدي، عن أبي مالك وسعيد بن جبير، في قوله: { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا } قال: الذين يكذبون بآياتنا. حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط ، عن السدي: { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين } قال: كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن فسبوه واستهزءوا به، فأمرهم الله أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره. وأما قوله: { وإما ينسينك الشيطان } يقول: نسيت فتقعد معهم، فإذا ذكرت فقم. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { يخوضون في آياتنا } قال: يكذبون بآياتنا. حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن ليث، عن أبي جعفر، قال لا تجالسوا أهل الخصومات، فإنهم الذين يخوضون في آيات الله. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا } ، وقوله: { الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا } ، وقوله:

Unknown page