Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: { فاكتبنا مع الشاهدين } مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { فاكتبنا مع الشاهدين } يعنون بالشاهدين: محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته. حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: { فاكتبنا مع الشاهدين } قال محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، أنهم شهدوا أنه قد بلغ، وشهدوا أن الرسل قد بلغت. حدثنا الربيع، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا يحيى بن زكريا، قال: ثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثل حديث الحرث بن عبد العزيز، غير أنه قال: وشهدوا للرسل أنهم قد بلغوا. فكأن متأول هذا التأويل قصد بتأويله هذا إلى معنى قول الله تعالى ذكره:
وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا
فذهب ابن عباس إلى أن الشاهدين هم الشهداء في قوله:
لتكونوا شهداء على الناس
وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وإذا كان التأويل ذلك، كان معنى الكلام: يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين الذين يشهدون لأنبيائك يوم القيامة أنهم قد بلغوا أممهم رسالاتك. ولو قال قائل: معنى ذلك: فاكتبنا مع الشاهدين الذين يشهدون أن ما أنزلته إلى رسولك من الكتب حق، كان صوابا لأن ذلك خاتمة قوله: { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين } وذلك صفة من الله تعالى ذكره لهم بإيمانهم لما سمعوا من كتاب الله، فتكون مسألتهم أيضا الله أن يجعلهم ممن صحت عنده شهادتهم بذلك، ويلحقهم في الثواب والجزاء منازلهم. ومعنى الكتاب في هذا الموضع: الجعل، يقول: فاجعلنا مع الشاهدين، وأثبتنا معهم في عدادهم.
[5.84]
وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في هذه الآيات، أنهم إذا سمعوا ما أنزل إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من كتابه، آمنوا به وصدقوا كتاب الله، وقالوا: ما لنا لا نؤمن بالله؟ يقول: لا نقر بوحدانية الله { وما جاءنا من الحق } يقول: وما جاءنا من عند الله من كتابه وآي تنزيله، ونحن نطمع بإيماننا بذلك { أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين } يعني بالقوم الصالحين: المؤمنين بالله المطيعين له، الذين استحقوا من الله الجنة بطاعتهم إياه. وإنما معنى ذلك: ونحن نطمع أن يدخلنا ربنا مع أهل طاعته مداخلهم من جنته يوم القيامة، ويلحق منازلنا بمنازلهم ودرجاتنا بدرجاتهم في جناته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين } قال: «القوم الصالحون»: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
[5.85]
يقول تعالى ذكره: فجزاهم الله بقولهم: ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين، وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق، ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين { جنات تجري من تحتها الأنهار } يعني: بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار { خالدين فيها } يقول: دائما فيها مكثهم، لا يخرجون منها ولا يحولون عنها. { وذلك جزاء المحسنين } يقول: وهذا الذي جزيت هؤلاء القائلين بما وصفت عنهم من قيلهم على ما قالوا من الجنات التي هم فيها خالدون، جزاء كل محسن في قيله وفعله. وإحسان المحسن في ذلك أن يوحد الله توحيدا خالصا محضا لا شرك فيه، ويقر بأنبياء الله وما جاءت به من عند الله من الكتب، ويؤدي فرائضه، ويجتنب معاصيه، فذلك كمال إحسان المحسنين الذين قال الله تعالى: { جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها }.
[5.86]
Unknown page