1082

عذابا دائما لكم مقيما

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس: يا أعمى البصر، أعمى القلب، تزعم أن قوما يخرجون من النار، وقد قال الله جل وعز: { وما هم بخارجين منها }؟ فقال ابن عباس: ويحك، اقرأ ما فوقها هذه للكفار.

[5.38]

يقول جل ثناؤه: ومن سرق من رجل أو امرأة، فاقطعوا أيها الناس يده. ولذلك رفع السارق والسارقة، لأنهما غير معينين، ولو أريد بذلك سارق وسارقة بأعيانهما لكان وجه الكلام النصب. وقد روي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ ذلك: «والسارقو ن والسارقات». حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن ابن عون، عن إبراهيم، قال: في قراءتنا قال: وربما قال في قراءة عبد الله: «والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما». حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن إبراهيم: في قراءتنا: «والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما». وفي ذلك دليل على صحة ما قلنا من معناه، وصحة الرفع فيه، وأن السارق والسارقة مرفوعان بفعلهما على ما وصفت للعلل التي وصفت. وقال تعالى ذكره: { فاقطعوا أيديهما } والمعنى أيديهما اليمنى كما: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { فاقطعوا أيديهما }: اليمنى. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن عامر، قال: في قراءة عبد الله: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما». ثم اختلفوا في السارق الذي عناه الله، فقال بعضهم: عني بذلك سارق ثلاثة دراهم فصاعدا وذلك قول جماعة من أهل المدينة، منهم مالك بن أنس ومن قال بقوله. واحتجوا لقولهم ذلك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم «قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم». وقال آخرون: بل عنى بذلك: سارق ربع دينار أو قيمته. وممن قال ذلك الأوزاعي ومن قال بقوله. واحتجوا لقولهم ذلك بالخبر الذي روي عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" القطع في ربع دينار فصاعدا "

وقال آخرون: بل عني بذلك سارق عشرة دراهم فصاعدا. وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه. واحتجوا في ذلك بالخبر الذي روي عن عبد الله بن عمر وابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم «قطع في مجن قيمته عشرة دراهم». وقال آخرون: بل عني بذلك سارق القليل والكثير. واحتجوا في ذلك بأن الآية على الظاهر، وأنه ليس لأحد أن يخص منها شيئا إلا بحجة يجب التسليم لها. وقالوا: لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر بأن ذلك في خاص من السراق. قالوا: والأخبار فيما قطع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطربة مختلفة، ولم يرو عنه أحد أنه أتي بسارق درهم فخلى عنه، وإنما رووا عنه أنه قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم. قالوا: وممكن أن يكون لو أتى بسارق ما قيمته دانق أن يقطع. قالوا: وقد قطع ابن الزبير في درهم. وروي عن ابن عباس أنه قال: الآية على العموم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، عن نجدة الحنفي، قال: سألت ابن عباس عن قوله: { والسارق والسارقة } أخاص أم عام؟ فقال: بل عام. والصواب من القول في ذلك عندنا قول من قال: الآية معني بها خاص من السراق، وهو سراق ربع دينار فصاعدا أو قيمته، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" القطع في ربع دينار فصاعدا "

وقد استقصيت ذكر أقوال المختلفين في ذلك مع عللهم التي اعتلوا بها لأقوالهم، والتلميح عن أولاها بالصواب بشواهده في كتابنا كتاب السرقة، فكرهنا إطالة الكتاب بإعادة ذلك في هذا الموضع. وقوله: { جزاء بما كسبا نكالا من الله } يقول: مكافأة لهما على سرقتهما وعملهما في التلصص بمعصية الله. { نكالا من الله } يقول: عقوبة من الله على لصوصيتهما. وكان قتادة يقول في ذلك ما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم }: لا ترثوا لهم أن تقيموا فيهم الحدود، فإنه والله ما أمر الله بأمر قط إلا وهو صلاح، ولا نهى عن أمر قط إلا وهو فساد. وكان عمر بن الخطاب يقول: اشتدوا على السراق فاقطعوهم يدا يدا ورجلا رجلا. وقوله: { والله عزيز حكيم } يقول جل ثناؤه: والله عزيز في انتقامه من هذا السارق والسارقة وغيرهما من أهل معاصيه، حكيم في حكمه فيهم وقضائه عليهم. يقول: فلا تفرطوا إيها المؤمنون في إقامة حكمي على السراق وغيرهم من أهل الجرائم الذين أوجبت عليهم حدودا في الدنيا عقوبة لهم، فإني بحكمي قضيت ذلك عليهم، وعلمي بصلاح ذلك لهم ولكم.

[5.39]

Unknown page