Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
ينفون عن طرق الكرام كما
ينفي المطارق ما يلي الفردا
ومنه قيل للدراهم الرديئة وغيرها من كل شيء: النفاية. وأما المصدر من نفيت، فإنه النفي والنفاية، ويقال: الدلو ينفي الماء. ويقال لما تطاير من الماء من الدلو النفي، ومنه قول الراجز:
كأن متنيه من النفي
مواقع الطير على الصفي
ومنه قيل: نفى شعره: إذا سقط، يقال: حال لونك ونفى شعرك. القول في تأويل قوله تعالى: { ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم }. يعني جل ثناؤه بقوله: { ذلك }: هذا الجزاء الذي جازيت به الذين حاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادا في الدنيا، من قتل، أو صلب، أو قطع يد ورجل من خلاف { لهم } يعني: لهؤلاء المحاربين { خزي في الدنيا } يقول: هو لهم شر وعار وذلة، ونكال وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة، يقال منه: أخزيت فلانا فخزي هو خزيا، وقوله: { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } يقول عز ذكره لهؤلاء الذين حاربوا الله ورسوله وسعول في الأرض فسادا فلم يتوبوا من فعلهم ذلك، حتى هلكوا في الآخرة مع الخزي الذي جازيتهم به في الدنيا، والعقوبة التي عاقبتهم بها فيها عذاب عظيم، يعني: عذاب جهنم.
[5.34]
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: إلا الذين تابوا من شركهم ومناصبتهم الحرب لله ولرسوله، والسعي في الأرض بالفساد بالإسلام، والدخول في الإيمان من قبل قدرة المؤمنين عليهم، فإنه لا سبيل للمؤمنين عليهم بشيء من العقوبات التي جعلها الله جزاء لمن حاربه ورسوله وسعى في الأرض فسادا، من قتل، أو صلب، أو قطع يد ورجل من خلاف، أو نفي من الأرض، فلا تباعة قبله لأحد فيما كان أصاب في حال كفره وحربه المؤمنين في مال ولا دم ولا حرمة قالوا: فأما المسلم إذا حارب المسلمين أو المعاهدين وأتى بعض ما يجب عليه العقوبة، فلن تضع توبته عنه عقوبة ذنبه، بل توبته فيما بينه وبين الله، وعلى الإمام إقامة الحد الذي أوجبه الله عليه وأخذه بحقوق الناس. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري، قالا: قوله:
إنما جزآء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض
[المائدة: 33]... إلى قوله: { فاعلموا أن الله غفور رحيم } نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم من قبل أن يقدر عليه لم يكن عليه سبيل، وليس تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل أو أفسد في الأرض أو حارب الله ورسوله ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه، ذلك يقام عليه الحد الذي أصاب. حدثنا بشار، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم } قال: هذا لأهل الشرك إذا فعلوا شيئا في شركهم، فإن الله غفور رحيم إذا تابوا وأسلموا. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:
Unknown page