Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
[البقرة: 76]. وقوله: { ويعفو عن كثير } يعني بقوله ويعفو: ويترك أخذكم بكثير مما كنتم تخفون من كتابكم الذي أنزله الله إليكم، وهو التوراة، فلا تعملون به حتى يأمره الله بأخذكم به. القول في تأويل قوله تعالى: { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين }. يقول جل ثناؤه لهؤلاء الذين خاطبهم من أهل الكتاب: قد جاءكم يا أهل التوراة والإنجيل من الله نور، يعني بالنور محمدا صلى الله عليه وسلم، الذي أنار الله به الحق، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك فهو نور لمن استنار به يبين الحق، ومن إنارته الحق تبيينه لليهود كثيرا مما كانوا يخفون من الكتاب.
وقوله: { وكتاب مبين } يقول جل ثناؤه: قد جاءكم من الله تعالى النور الذي أنار لكم به معالم الحق. { وكتاب مبين } يعني: كتابا فيه بيان ما اختلفوا فيه بينهم من توحيد الله وحلاله وحرامه وشرائع دينه، وهو القرآن الذي أنزله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، يبين للناس جميع ما بهم الحاجة إليه من أمر دينهم ويوضحه لهم، حتى يعرفوا حقه من باطله.
[5.16]
يعني عز ذكره: يهدي بهذا الكتاب المبين الذي جاء من الله جل جلاله، ويعني بقوله: { يهدي به الله } يرشد به الله ويسدد به. والهاء في قوله به عائدة على الكتاب. { من اتبع رضوانه } يقول: من اتبع رضا الله. واختلف في معنى الرضا من الله جل وعز، فقال بعضهم: الرضا منه بالشيء: القبول له والمدح والثناء. قالوا: فهو قابل الإيمان ومزك له، ومثن على المؤمن بالإيمان، وواصف الإيمان بأنه نور وهدى وفضل. وقال آخرون: معنى الرضا من الله جل وعز معنى مفهوم، هو خلاف السخط، وهو صفة من صفاته على ما يعقل من معاني الرضا، الذي هو خلاف السخط، وليس ذلك بالمدح، لأن المدح والثناء قول، وإنما يثني ويمدح ما قدر رضي قالوا: فالرضا معنى، والثناء والمدح معنى ليس به. ويعني بقوله: سبل السلام: طرق السلام، والسلام هو الله عز ذكره. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { من اتبع رضوانه سبل السلام }: سبيل الله الذي شرعه لعباده، ودعاهم إليه، وابتعث به رسله، وهو الإسلام الذي لا يقبل من أحد عملا إلا به، لا اليهودية، ولا النصرانية، ولا المجوسية. القول في تأويل قوله تعالى: { ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه }. يقول عز ذكره: يهدي الله بهذا الكتاب المبين من اتبع رضوان الله إلى سبل السلام، وشرائع دينه. { ويخرجهم } يقول: و يخرج من اتبع رضوانه، والهاء والميم في: ويخرجهم إلى من ذكر من الظلمات إلى النور، يعني: من ظلمات الكفر والشرك إلى نور الإسلام وضيائه بإذنه، يعني: بإذن الله جل وعز. وإذنه في هذا الموضع تحبيبه إياه الإيمان برفع طابع الكفر عن قلبه، وخاتم الشرك عنه، وتوفيقه لإبصار سبل السلام. القول في تأويل قوله تعالى: { ويهديهم إلى صراط مستقيم }. يعني عز ذكره بقوله: { ويهديهم }: ويرشدهم ويسددهم { إلى صراط مستقيم } يقول: إلى طريق مسقيم، وهو دين الله القويم الذي لا اعوجاج فيه.
[5.17]
هذا ذم من الله عز ذكره للنصارى والنصرانية الذين ضلوا عن سبل السلام، واحتجاج منه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في فريتهم عليه بادعائهم له ولدا، يقول جل ثناؤه: أقسم لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم، وكفرهم في ذلك تغطيتهم الحق في تركهم نفي الولد عن الله جل وعز، وادعائهم أن المسيح هو الله فرية وكذبا عليه. وقد بينا معنى المسيح فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. القول في تأويل قوله تعالى: { قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا }. يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للنصارى الذين افتروا علي، وضلوا عن سواء السبيل، بقيلهم: إن الله هو المسيح ابن مريم { من يملك من الله شيئا } يقول: من الذي يطيق أن يدفع من أمر الله جل وعز شيئا، فيرده إذا قضاه من قول القائل: ملكت على فلان أمره: إذا صار لا يقدرأن ينفذ أمرا إلا به. وقوله: { إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا } يقول: من ذا الذي يقدر أن يرد من أمر الله شيئا إن شاء أن يهلك المسيح ابن مريم بإعدامه من الأرض وإعدام أمه مريم، وإعدام جميع من في الأرض من الخلق جميعا. يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء الجهلة من النصارى لو كان المسيح كما يزعمون أنه هو الله، وليس كذلك لقدر أن يرد أمر الله إذا جاءه باهلاكه وإهلاك أمه، وقد أهلك أمه فلم يقدر على دفع أمره فيها إذ نزل ذلك، ففي ذلك لكم معتبر إن اعتبرتم، وحجة عليكم إن عقلتم في أن المسيح بشر كسائر بني آدم، وأن الله عز وجل هو الذي لا يغلب ولا يقهر ولا يرد له أمر، بل هو الحي الدائم القيوم الذي يحيى ويميت، وينشىء ويفني، وهو حي لا يموت. القول في تأويل قوله تعالى: { ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء }. يعني تبارك وتعالى بذلك: والله له تصريف ما في السموات والأرض وما بينهما، يعني: وما بين السماء والأرض، يهلك من يشاء من ذلك، ويبقى ما يشاء منه، ويوجد ما أراد، ويعدم ما أحب، لا يمنعه من شيء أراد من ذلك مانع، ولا يدفعه عنه دافع ينفذ فيهم حكمه، ويمضي فيهم قضاءه، لا المسيح الذي إن أراد إهلاكه ربه وإهلاك أمه، لم يملك دفع ما أراد به ربه من ذلك. يقول جل وعز: كيف يكون إلها يعبد من كان عاجزا عن دفع ما أراد به غيره من السوء، وغير قادر على صرف ما نزل به من الهلاك؟ بل الإله المعبود الذي له ملك كل شيء، وبيده تصريف كل من في السماء والأرض وما بينهما.
فقال جل ثناؤه: { وما بينهما } ، وقد ذكر السموات بلفظ الجمع، ولم يقل: وما بينهن، لأن المعنى: وما بين هذين النوعين من الأشياء، كما قال الراعي.
طرقا فتلك هماهمي أقريهما
قلصا لواقح كالقسي وحولا
فقال: طرقا، مخبرا عن شيئين، ثم قال: فتلك هما همي، فرجع إلى معنى الكلام. وقوله: { يخلق ما يشاء } يقول: جل ثناؤه: وينشيء ما يشاء ويوجده، ويخرجه من حال العدم إلى حال الوجود، ولن يقدر على ذلك غير الله الواحد القهار، وإنما يعني بذلك أن له تدبير السموات والأرض وما بينهما، وتصريفه وإفناءه وإعدامه، وإيجاد ما يشاء مما هو غير موجود ولا منشأ، يقول: فليس ذلك لأحد سواي، فكيف زعمتم أيها الكذبة أن المسيح إليه، وهو لا يطيق شيئا من ذلك، بل لا يقدر على دفع الضرر عن نفسه، ولا عن أمه، ولا اجتلاب نفع إليها، إلا بإذني. القول في تأويل قوله تعالى: { والله على كل شيء قدير }. يقول عز ذكره: الله المعبود هو القادر على كل شيء، والمالك كل شيء، الذي لا يعجزه شيء أراده، ولا يغلبه شيء طلبه، المقتدر على هلاك المسيح وأمه ومن في الأرض جميعا، لا العاجز الذي لا يقدر على منع نفسه من ضر نزل به من الله ولا منع أمه من الهلاك.
Unknown page