1030

{ غير متجانف لإثم } يقول: لا متجانفا لإثم، فلذلك نصب «غير» لخروجها من الاسم الذي في قوله: { فمن اضطر } وهي بمعنى إلا، فنصب بالمعنى الذي كان به منصوبا المتجانف لو جاء الكلام: إلا متجانفا. وأما المتجانف للإثم، فإنه المتمايل له، المنحرف إليه، وهو في هذا الموضع مراد به المتعمد له القاصد إليه، من جنف القوم علي إذا مالوا، وكل أعوج فهو أجنف عند العرب وقد بينا معنى الجنف بشواهده في قوله:

فمن خاف من موص جنفا فمن خاف من موص جنفا

[البقرة: 182] بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وأما تجانف آكل الميتة في أكلها وفي غيرها مما حرم الله أكله على المؤمنين بهذه الآية للإثم في حال أكله، فهو تعمده الأكل لغير دفع الضرورة النازلة به، ولكن لمعصية الله وخلاف أمره فيما أمره به من ترك أكل ذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: { فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم } يعني: إلى ما حرم مما سمي في صدر هذه الآية: { غير متجانف لإثم } يقول: غير متعمد لإثم. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { غير متجانف لإثم }: غير متعمد لإثم، قال: إلى حرم الله ما حرم، رخص للمضطر إذا كان غير متعمد لإثم أن يأكله من جهد فمن بغى أو عدا أو خرج في معصية الله، فإنه محرم عليه أن يأكله . حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { غير متجانف لإثم }: أي غير معترض لمعصية. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: { غير متجانف لإثم }: غير متعمد لإثم، غير متعرض. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { غير متجانف لإثم } يقول: غير متعرض لإثم: أي يبتغي فيه شهوة، أو يعتدي في أكله. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { غير متجانف لإثم }: لا يأكل ذلك ابتغاء الإثم، ولا جراءة عليه. القول في تأويل قوله تعالى: { فإن الله غفور رحيم }. وفي هذا الكلام متروك اكتفي بدلالة ما ذكر عليه منه، وذلك أن معنى الكلام: فمن اضطر في مخصمة إلى ما حرمت عليه مما ذكرت في هذه الآية، { غير متجانف لإثم } فأكله، { فإن الله غفور رحيم } ، فترك ذكر: «فأكله». وذكر: «له»، لدلالة سائر ما ذكر من الكلام عليهما. وأما قوله: { فإن الله غفور رحيم } فإن معناه: فإن الله لمن أكل ما حرمت عليه بهذه الآية أكله في مخمصة، غير متجانف لإثم، غفور رحيم، يقول: يستر له عن أكله ما أكل من ذلك بعفوه عن مؤاخذته إياه، وصفحه عنه، وعن عقوبته عليه { رحيم } يقول: وهو به رفيق، من رحمته ورفقه به، أباح له أكل ما أباح له أكله من الميتة وسائر ما ذكر معها في هذه الآية، في حال خوفه على نفسه، من كلب الجوع وضر الحاجة العارضة ببدنه.

فإن قال قائل: وما الأكل الذي وعد الله المضطر إلى الميتة وسائر المحرمات معها بهذه الآية غفرانه إذا أكل منها؟ قيل: ما: حدثني عبد الأعلى بن واصل الأسدي، قال: ثنا محمد بن القاسم الأسدي، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي واقد الليثي، قال: قلنا يا رسول الله إنا بأرض تصيبنا فيها مخمصة، فما يصلح لنا من الميتة؟ قال:

" إذا لم تصطبحوا، أو تغتبقوا، أو تحتفئوا بقلا، فشأنكم بها "

حدثنا أبو كريب ، قال: ثنا هشيم، عن الخصيب بن زيد التميمي، قال: ثنا الحسن: أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إلى متى يحل لي الحرام؟ قال: فقال:

" إلى أن يروى أهلك من اللبن، أو تجيء ميرتهم "

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا خصيب بن زيد التميمي، قال: ثنا الحسن: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله، إلا أنه قال:

" أو تحيا ميرتهم "

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني عمر بن عبد الله بن عروة عن جده عروة بن الزبير، عمن حدثه: أن رجلا من الأعراب أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه في الذي حرم الله عليه والذي أحل له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:

Unknown page