Jāmiʿ al-bayān fī tafsīr al-Qurʾān
جامع البيان في تفسير القرآن
[الأعراف: 172] قال: أخذهم فجعلهم أرواحا، ثم صورهم، ثم استنطقهم، فكان روح عيسى من تلك الأرواح التي أخذ عليها العهد والميثاق، فأرسل ذلك الروح إلى مريم، فدخل في فيها فحملت والذي خاطبها، وهو روح عيسى عليه السلام. وقال آخرون: معنى الروح ههنا: جبريل عليه السلام. قالوا: ومعنى الكلام: وكلمته ألقاها إلى مريم، وألقاها أيضا إليها روح من الله، ثم من جبريل عليه السلام. ولكل هذه الأقوال وجه ومذهب غير بعيد من الصواب. القول في تأويل قوله تعالى: { فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم }. يعني بقوله جل ثناؤه: { فآمنوا بالله ورسله } فصدقوا يا أهل الكتاب بوحدانية الله وربوبيته، وأنه لا ولد له، وصدقوا رسله فيما جاءوكم به من عند الله، وفيما أخبرتكم به أن الله واحد لا شريك له، ولا صاحبة له، ولا ولد له. { ولا تقولوا ثلاثة } يعني: ولا تقولوا الأرباب ثلاثة. ورفعت الثلاثة بمحذوف دل عليه الظاهر، وهو «هم». ومعنى الكلام: ولا تقولوا هم ثلاثة. وإنما جاز ذلك لأن القول حكاية، والعرب تفعل ذلك في الحكاية، ومنه قول الله:
سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم
[الكهف: 22] وكذلك كل ما ورد من مرفوع بعد القول لا رافع معه، ففيه إضمار اسم رافع لذلك الاسم. ثم قال لهم جل ثناؤه متوعدا لهم في قولهم العظيم الذي قالوه في الله: انتهوا أيها القائلون الله ثالث ثلاثة عما تقولون من الزور والشك بالله، فإن الانتهاء عن ذلك خير لكم من قيله، لما لكم عند الله من العقاب العاجل لكم على قيلكم ذلك، إن أقمتم عليه ولم تنيبوا إلى الحق الذي أمرتكم بالإنابة إليه والآجل في معادكم. القول في تأويل قوله تعالى: { إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا }. يعني بقوله: { إنما الله إله واحد }: ما الله أيها القائلون: الله ثالث ثلاثة كما تقولون، لأن من كان له ولد فليس بإله، وكذلك من كان له صاحبة فغير جائز أن يكون إلها معبودا، ولكن الله الذي له الألوهية والعبادة، إله واحد معبود، لا ولد له، ولا والد، ولا صاحبة، ولا شريك. ثم نزه جل ثناؤه نفسه وعظمها ورفعها عما قال فيه أعداؤه الكفرة به، فقال: { سبحانه أن يكون له ولد } يقول: علا الله وجل وعز وتعظم وتنزه عن أن يكون له ولد أو صاحبة. ثم أخبر جل ثناؤه عباده أن عيسى وأمه، ومن في السموات ومن في الأرض، عبيده، وملكه، وخلقه، وأنه رازقهم وخالقهم، وأنهم أهل حاجة وفاقة إليه، احتجاجا منه بذلك على من ادعى أن المسيح ابنه، وأنه لو كان ابنه كما قالوا لم يكن ذا حاجة إليه، ولا كان له عبدا مملوكا، فقال: { له ما في السموات وما في الأرض } يعني: لله ما في السموات وما في الأرض من الأشياء كلها، ملكا وخلقا، وهو يرزقهم ويقوتهم ويدبرهم، فكيف يكون المسيح ابنا لله وهو في الأرض أو في السموات غير خارج من أن يكون في بعض هذه الأماكن وقوله: { وكفى بالله وكيلا } يقول: وحسب ما في السموات وما في الأرض بالله قيما ومدبرا ورازقا، من الحاجة معه إلى غيره.
[4.172]
يعني جل ثناؤه بقوله: { لن يستنكف المسيح }: لن يأنف ولن يستكبر المسيح { أن يكون عبدا لله } يعني: من أن يكون عبدا لله. كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون }: لن يحتشم المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة. وأما قوله: { ولا الملائكة المقربون } فإنه يعني: ولن يستنكف أيضا من الإقرار لله بالعبودية، والإذعان له بذلك رسله المقربون الذين قربهم الله ورفع منازلهم على غيرهم من خلقه. وروي عن الضحاك أنه كان يقول في ذلك ما: حدثني به جعفر بن محمد البزوري، قال: ثنا يعلى بن عبيد، عن الأجلح، قال: قلت للضحاك: ما المقربون؟ قال: أقربهم إلى السماء الثانية. القول في تأويل قوله تعالى: { ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا }. يعني جل ثناؤه بذلك: ومن يتعظم عن عبادة ربه، ويأنف من التذلل والخضوع له بالطاعة من الخلق كلهم، ويستكبر عن ذلك، { فسيحشرهم إليه جميعا } يقول: فسيبعثهم يوم القيامة جميعا، فيجمعهم لموعدهم عنده.
[4.173]
يعني جل ثناؤه بذلك: فأما المؤمنون المقرون بوحدانية الله، الخاضعون له بالطاعة، المتذللون له بالعبودية، والعاملون الصالحات من الأعمال، وذلك أن يردوا على ربهم، قد آمنوا به وبرسله، وعملوا بما أتاهم به رسله من عند ربهم، من فعل ما أمرهم به، واجتناب ما أمرهم باجتنابه { فيوفيهم أجورهم } يقول: فيؤتيهم جزاء أعمالهم الصالحة وافيا تاما. { ويزيدهم من فضله } يعني جل ثناؤه: ويزيدهم على ما وعدهم من الجزاء على أعمالهم الصالحة والثواب عليها من الفضل والزيادة ما لم يعرفهم مبلغه ولم يحد لهم منتهاه. وذلك أن الله وعد من جاء من عباده المؤمنين بالحسنة الواحدة عشر أمثالها من الثواب والجزاء، فذلك هو أجر كل عامل على عمله الصالح من أهل الإيمان المحدود مبلغه، والزيادة على ذلك تفضل من الله عليهم، وإن كان كل ذلك من فضله على عباده غير أن الذي وعد عباده المؤمنين أن يوفيهم فلا ينقصهم من الثواب على أعمالهم الصالحة، هو ما حد مبلغه من العشر، والزيادة على ذلك غير محدود مبلغها، فيزيد من شاء من خلقه على ذلك قدر ما يشاء، لا حد لقدره يوقف عليه. وقد قال بعضهم: الزيادة إلى سبعمائة ضعف. وقال آخرون: إلى ألفين. وقد ذكرت اختلاف المختلفين في ذلك فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقوله: { وأما الذين استنكفوا واستكبروا } فإنه يعني: وأما الذين تعظموا عن الإقرار لله بالعبودة والإذعان له بالطاعة، واستكبروا عن التذلل لألوهيته وعبادته وتسليم الربوبية والوحدانية له. { فيعذبهم عذابا أليما } يعني: عذابا موجعا. { ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا } يقول: ولا يجد المستنكفون من عبادته والمستكبرون عنها إذا عذبهم الله الأليم من عذابه سوى الله لأنفسهم وليا ينجيهم من عذابه وينقذهم منه. ولا نصيرا: ولا ناصرا ينصرهم، فيستنقذهم من ربهم، ويدفع عنهم بقوته ما أحل بهم من نقمته، كالذي كانوا يفعلون بهم إذا أرادهم غيرهم من أهل الدنيا في الدنيا بسوء من نصرتهم والمدافعة عنهم.
[4.174]
يعني جل ثناؤه بقوله: { يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم }: يا أيها الناس من جميع أصناف الملل، يهودها ونصاراها ومشركيها، الذين قص الله جل ثناؤه قصصهم في هذه السورة { قد جاءكم برهان من ربكم } يقول: قد جاءتكم حجة من الله تبرهن لكم بطول ما أنتم عليه مقيمون من أديانكم ومللكم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، الذي جعله الله عليكم حجة قطع بها عذركم، وأبلغ إليكم في المعذرة بإرساله إليكم، مع تعريفه إياكم صحة نبوته وتحقيق رسالته. { وأنزلنا إليكم نورا مبينا } يقول: وأنزلنا إليكم معه نورا مبينا، يعني: يبين لكم المحجة الواضحة والسبل الهادية إلى ما فيه لكم النجاة من عذاب الله وأليم عقابه إن سلكتموها واستنرتم بضوئه. وذلك النور المبين هو القرآن الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: { برهان من ربكم } قال: حجة. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم }: أي بينة من ربكم، { وأنزلنا إليكم نورا مبينا } ، وهو هذا القرآن. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { قد جاءكم برهان من ربكم } يقول: حجة. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج برهان، قال: بينة { وأنزلنا إليكم نورا مبينا } قال: القرآن.
[4.175]
Unknown page