Al-Jamal
الجمل
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي ضمن النصرة لناصريه، وأعان على الحق بتوفيقه متبعيه، وخذل من عند عن دينه وألحد فيه، وصلواته على صفوته من خلقه ومجتبيه، محمد وآله المخصوصين بالطهارة والتنزيه، أيدك الله بتوفيقه سألت أن أورد لك ذكر الاختلاف بين أهل القبلة في حديث الفتنة بالبصرة، وما كان بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وبين عائشة وطلحة والزبير من الحرب المهولة والقتال، ومذهب كل فريق من الأمة فيه على شرح له وبيان، وإثبات سبب هذه الفتنة والأخبار التي جاءت فيما جرى بين القوم، من القتال والفعال. فإن كل كتاب صنف في هذا الفن قد تضمن أخبارا تلتبس معانيها على جمهور الناس ولم يأت أحد من المصنفين بذكر الحرب في هذه الفتنة على الترتيب والنظام بل خلطوا الأخبار فيها خلطا لم يحصل معه تصور الخلل فيما كان بين الجميع منه على الظهور والتبيان للذي جاء. فقد جمعت لك أيدك الله كلما صدر عنهم، وأثبت في هذا الكتاب برهانا يفضي الناظر فيه إلى صحة الاعتقاد في أحكام القوم بأسمائهم بأعمالهم وما فيها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان والتبين والضلال. لتعلم وفقك الله
Page 18
بالنظر والاعتبار وتخرج بذلك من التقليد الموبق لصاحبه ولتظفر بالحق ويزول عنك الاشتباه الذي التبس عليك أمره فيما كان هناك وأجبتك إلى ما سألت معتصما بالله عز وجل وسائلا لك التوفيق والرشاد وبالله أستعين.
(القول في اختلاف الأمة) في فتنة الجمل وأحكام القتال فيها:
أما المتولون للقتال في هذه الفتنة فقد أنبأنا عملهم فيها عن اعتقادهم ودلت ظواهرهم في ذلك على بواطنهم فيه إذ العلم يحيط بأن أمير المؤمنين عليا (ع) وولده وأهله من بني هاشم وأتباعه من المهاجرين والأنصار وغيرهم من المؤمنين لم يسلكوا فيما باشروه من الحرب وسعوا فيه من القتل واستباحة الدماء طريق المجرمين، لذلك الطالبين به العاجل، والتاركين به ثواب الآجل، بل كان ظاهرهم في ذلك، والمعلوم من حالهم، وقصدهم التدين والقربة إلى الله تعالى بعملهم، والاجتهاد فيه وأن تركه والإعراض عنه موبق من الأعمال والتقصير فيه موجب لاستحقاق العقاب.
ألا ترى إلى ما اشتهر من قول أمير المؤمنين (ع) وقد سئل عن قتاله للقوم (لم أجد إلا قتالهم أو الكفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله).
وقول عمار بن ياسر رحمه الله: أيها الناس والله ما أسلموا ولكنهم استسلموا وأسروا الكفر فلما وجدوا له أعوانا أظهروه (1) في أمثال هذين القولين من جماعة جلة من شيعة أمير المؤمنين (ع) يطول بشرحها الكتاب فهم يلائم معاني كلامهم في ذلك ظواهر فعالهم. والمعلوم من قصودهم وهذا ما لا مزيد فيه بين العلماء، وإنما يشتبه الأمر فيه على الجهلاء الذين لم يسمعوا الأخبار، ولا اعتبروا بتأمل الآثار.
وكذلك الأمر محيط بأن ظاهر عائشة وطلحة والزبير وكثير ممن
Page 19
كان في حيزهم التدين بقتال أمير المؤمنين (ع) وأنصاره والقربة إلى الله سبحانه وتعالى في استفراغ الجهد فيه، وإنهم كانوا يريدون على ما زعموا وجه الله والطلب بدم الخليفة المظلوم عندهم، المقتول بغير حق وإنهم لا يسعهم فيما أضمروه في اعتقادهم إلا الذي فعلوه، فوضح من ذلك أن كلا من الفريقين يصوب رأيه فيما فعل ويخطئ صاحبه فيما صنع ويشهد لنفسه بالنجاة ويشهد على صاحبه بالضلال والهلاك.
إلا أن أمير المؤمنين (ع) صريح بالحكم على محاربيه ووسمهم بالغدر والنكث، وأخيرا أن النبي صلى الله عليه وآله أمره بقتالهم وفرض عليه جهادهم ولم يحفظ عن محاربيه فيه شئ ولا سمة له بمثل ذلك وإن كان المعلوم من رأيهم التخطئة له في القتال، والحكم عليه في بقائه على الأمر والامتناع من رده شورى بينهم وتسليمه قتلة عثمان إليهم بالزلل عن الحق الواجب عندهم والصواب.
وكان مذهب سعد بن مالك بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد ابن مسلمة الأنصاري، وأسامة بن زيد وأمثالهم ممن رأى القعود عن الحرب والتبديع لمن تولاها والحكم على أمير المؤمنين (ع) والحسن والحسين ومحمد بن علي (ع) وجميع ولد أبي طالب وكافة أتباع أمير المؤمنين من بني هاشم والمهاجرين والأنصار والمتدينين بنصرته المتبعين له على رأيه في الجهاد، بالضلال والخطأ، في المقال والفعال، والتبديع لهم في ذلك على كل حال.
وكذلك كان مذهبهم في عائشة وطلحة والزبير ومن كان على رأيهم في قتال أمير المؤمنين (ع) وإنهم بذلك ضلال عن الحق عادلون عن الصواب، مبدعون في استحلال دماء أهل الإسلام، ولم يحفظ عنهم في الطائفتين ولا في إحديهما تسمية بالفسوق ولا إخراجهم بما تولوه من الحرب والقتال عن الإيمان.
Page 20
اختلاف الفرق:
(فصل) الخلاف بعد النبي الذي حكيناه عن السلف في الفتنة المذكورة قد تشعب وزاد على ما أثبتناه عمن سميناه في الخلاف، فقالت العالمة الحشوية المنتسبة إلى السنة على ما زعموا في ذلك أقاويل مشهورة وذهبوا مذاهب ظهرت عنهم مذكورة.
فمنهم طائفة اتبعت رأي سعد بن أبي وقاص وشركائه المعتزلة عن الفريقين ومذهبهم في إنكار القتال وحكموا بالخطأ على أمير المؤمنين والحسن والحسين ومحمد بن علي وابن عباس وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين وأبي أيوب الأنصاري وأبي الهيثم بن التيهان وعمار بن ياسر وقيس بن سعد بن عبادة وأمثالهم من وجوه المهاجرين ونقباء الأنصار. وعلى عائشة وطلحة والزبير وجميع من اتبعهم في الحرب واستحل معهم القتال، وشهدوا عليهم جميعا فيما صنعوه بالزلل عن الصواب، ووقفوا فيهم مع ذلك ولم يقطعوا لهم بعقاب، ورجوا لهم الرحمة والغفران، وكان الرجاء لهم في ذلك أقوى عندهم من الخوف عليهم من العقاب.
وقالت فرقة منهم أخرى بتخطئة الجميع كما قالت الأولى منهم في ذلك وقطعوا على أن أمير المؤمنين والحسن والحسين وابن عباس وعمار بن ياسر وخزيمة ذي الشهادتين إن كانوا قد زلوا بالقتال وسفك الدماء فإنه مغفور لهم ذلك، لما قدموا من عظيم طاعتهم لله تعالى وجهادهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبتهم له، مواساتهم إياه.
وكذلك قولهم في عائشة، وطلحة والزبير ومن شركهم في القتال ممن له صحبة وسالف جهاد.
Page 21
وأما من سوى الصحابة بين الفريقين منهم بقتالهم واستحلالهم الدماء فمن أهل النار، وحكوا عن بعض مشيختهم وأئمتهم في الدين إنه كان يقول نجت القادة وهلك الأتباع، وفرقوا بين الصحابي في ذلك وغيره بحديث رووه عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لبعض المسلمين ممن أدركه ولم يكن له صحبته وقد سامى رجلا من الصحابة: إياكم وأصحابي لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدى أحدهم ولا نصفه وقالت فرقة أخرى منهم لا ينبغي لأحد أن يخوض في ذكر الصحابة وما جرى بينهم من تنازع واختلاف وتباين وقتال ولا يتعرض بالنظر في ذلك ولا الفكر فيه ويعرض عنه جانبا، وأن استطاع أن لا يسمع شيئا من الأخبار الواردة به فيفعل، فإنه إن خالف هذه الوصاة وأصغى إلى الخبر باختلاف الصحابة أو تكلم بحرف واحد، وتبرع بالحكم عليهم بشئ يشين المسلم فقد أبدع في الدين، وخالف الشرع، وعدل عن قول النبي ولم يحذر مما حذره منه بقوله صلى الله عليه وآله إياكم وما سيجري بين الصحابة.
وزعموا أن الرواية بذكر أخبار السقيفة، ومقتل عثمان والجمل وصفين بدعة، والتصنيف في ذلك ضلال، أو الاستماع إلى شئ من ذلك يكسب الآثام.
وهذه فرقة مستضعفة من الحشوية يميل إلى قولها جمع كبير ممن شاهدناه من العامة ويدعوا إليه المتظاهرون بالورع والزهد، والصمت وطلب السلامة، وحفظ اللسان، وهم بذلك بعداء عن العلم وأهله، جهال أغمار.
وقالت فرقة من العامة تختص بمذاهب الحشوية غير أنها تتعاطى النظر، وتدعى المعرفة بالفقه وتزعم أنها من أهل الاعتبار، إن علي ابن أبي طالب (ع) ومن كان في حيزه من المهاجرين والأنصار
Page 22
وسائر الناس، وعائشة وطلحة والزبير وأتباعه جميعا معا كانوا على صواب فيما انتهوا إليه من التباين والاختلاف والحرب والقتال وسفك الدماء، وضرب الرقاب، فإن فرضهم الذي يعين عليهم من طريق الاجتهاد هو ذلك بعينه دون سواه، لم يخرجوا بشئ منه عن طاعة الله ولا دخلوا به في شئ منه إلا أنهم كانوا على الهدى والصواب، ولو قصروا عنه مع الاجتهاد المؤدي لهم إليه; لضلوا عن الحق، وخالفوا السبيل والرشاد.
وزعموا أن إنهم كانوا جميعا مع الحال التي انتهوا إليها من سفك الدماء; وقتل النفوس; والخروج عن الأموال والديار على أتم مصافاة ومودة وموالات، ومخالصة في الضماير والنيات; واستدلوا على ذلك وزعموا بأن قالوا وجدنا كل فريق من الفريقين متعلقا بحجة تعذره فيما أتاه وتوجب عليه العمل بما صنع، وذلك أن علي بن أبي طالب كان مذهبه تحريم قتل الجماعة بالواحد وإن اشتركوا في قتله معا وهو مذهب مشهور من مذاهب أصحاب الاجتهاد; ولم يثبت عنده أيضا إن المعروفين بقتل عثمان تولوا على ما ادعى عليهم من ذلك فلم يسعه تسليم القوم إلى من التمسهم منه ليقتلوهم بعثمان; ووجب عليه (ع) في اجتهاده الدفاع عنهم بكل حال، وكان مذهب عائشة وطلحة والزبير قود الجماعة بالواحد من الناس; وهو مذهب ابن عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة وجماعة من التابعين; وبه دان جماعة من الفقهاء وأصحاب الاجتهاد، وثبت عندهم أن الجماعة يقتلون بالرجس الواحد وأن أمير المؤمنين لم يسلمهم ليقتلوهم بعثمان، وأن الناس تولوا قتله واشتركوا في دمه; وكان إماما مرضيا عندهم; قتل بغير حق; فلم يسعهم ترك المطالبة بدمه; والاستفادة من قاتله وبذل الجهد في ذلك; فاختلف الفريقان في ذلك لما ذكروه من الاجتهاد; وعمل كل فريق منهم على رأيه وكان
Page 23
بذلك مأجورا وعند الله مشكورا; وإن كانوا قد سفكوا فيه الدماء وبذلوا فيه الأموال وهذا مذهب جماعة قد شاهدتهم وكلمتهم وهم في وقتنا هذا خلق كثير وجم غفير.
وممن كلمتهم فيه من مشيخة أصحاب المخلوق المعروف بأبي بكر التمار الملقب بدرزان وكان في وقته شيخ أصحاب عبد الله بن سعيد بن كلاب أكبرهم سنا; وأشدهم تقدما في مجالس الكلام; ومنهم محارب الصيدياني المكنى بابن العلاء خليفة أبي السائبة في القضاء. ومنهم المعروف بالوشعي; ومن بعدهم المكنى بأبي عبد الله المعروف بابن مجاهد البصري الأشعري صاحب الباهلي تلميذ علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري ومنهم المعروف بأبي بكر بن الطيب المعروف بابن الباقلاني ومنهم أبو العباس بن الحسين بن أبي عمر القاضي وجميع من سميت ممن جاريته في هذا الباب من أصحاب المخلوق، وبعضهم كلابية وبعضهم أشعرية وإليه يذهب في وقتنا هذا جمهور أصحاب الشافعي ببغداد والبصرة وخوزستان وبلاد فارس وخراسان وغيرها من الأمصار; لا أعرف شافعيا له ذكر في قومه ويذهب إلى هذا المذهب ليبعد به عن قول الشيعة; وأهل الاعتزال.
رأي المعتزلة:
واختلف في ذلك المعتزلة أيضا كاختلاف الحشوية; فقال إماماهم المقدمان وشيخاهم المعظمان اللذان هما أصلان للاعتزال، وافتتحا لمعتقديه فيه الكلام وهم فخر الجماعة منهم وجمالهم الذي لا يعدلوا عندهم سواه واصل بن عطاء الغزال; وعمرو بن عبيد بن باب المكاري (1) إن
Page 24
أحد الفريقين ضال في البصرة مضل فاسق خارج من الإيمان والإسلام ملعون مستحق الخلود في النار، والفريق الآخر هاد مهدي، مصيب مستحق للثواب والخلود في الجنان غير أنهم زعموا أن لا دليل على تعيين الفريق الضال ولا برهان على المهدي ولا بينة نتوصل بها إلى تمييز أحدهما من الآخر في ذلك بحال من الأحوال.
وأنه لا يجوز أن يكون علي بن أبي طالب (ع) والحسن والحسين ومحمد بن علي وعبد الله وقثم والفضل وعبيد الله بنو العباس وعبد الله ابن جعفر الطيار وعمار بن ياسر وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين وأبو أيوب الأنصاري وأبو الهيثم بن التيهان وكافة شيعة علي (ع) وأتباعه من المهاجرين والأنصار وأهل بدر وبيعة الرضوان وأهل الدين المتحيزين إليه والمحققين بسمة الإسلام هم الفريق الضال، والفاسق الباغي الخارج عن الإيمان والإسلام والعدو لله والبرئ من دينه الملعون المستحق للخلود في النار.
وتكون عائشة وطلحة والزبير والحكم بن أبي العاص ومروان ابنه وعبد الله بن أبي سرح والوليد بن عقبة وعبد الله بن عامر بن كريز ابن عبد شمس ومن كان في حيزهم من أهل البصرة هم الفريق المهدى الموفق إلى الله المصيب في حربه المستحق للإعظام والإجلال والخلود في الجنان.
قالا جميعا نعم ما ننكر ذلك ولا نؤمن به إذ لا دليل يمنع من الحكم
Page 25
به على ما ذكرناه بحل وكما أن قولنا ذلك في علي وأصحابه فكذلك هو في الفريق الآخر فإنا لسنا ننكر أنهم وأتباعهم على السوء ولسنا ننكر أن يكونوا هم الفريق الضال الملعون، العدو لله البرئ من دينه، المستحق للخلود في النار، وأن يكون علي (ع) وأصحابه هم الفريق الهادي المهتدي الولي لله في سبيله; المستحق بقتاله عائشة وطلحة والزبير وقتل من قتل منهم الجنة وعظيم الثواب.
قالا ومنزلة الفريقين منزلة المتلاعنين فيهما فاسق لا يعلمه على التميز له والتعيين إلا الله عز وجل.
وهذه مقالة مشهورة عن هذين الرجلين قد سطرها الجاحظ عنهما في كتابه الموسوم (بفضيلة المعتزلة) وحكاها أصحاب المقالات عنهما ولم يختلف العلماء في صحتها عن الرجلين المذكورين وأنهما خرجا من الدنيا على التدين بها والاعتقاد لها بلا ارتياب.
وحكى ابن يحيى أن أبا الهذيل العلاف كان على هذا المذهب في أمير المؤمنين (ع) وعائشة وطلحة والزبير متبعا فيه إمامية المذكورين ولم يزل عليه إلى أن مات قال شيخ المعتزلة أيضا ومتكلميها في الفقه وأحكام الشريعة على أصولها الأصم المكنى بأبي بكر الملقب بحريال أنا أقف في كل فريق من الفريقين فلا أحكم له بهدى ولا ضلال ولا أقطع على أحدهما بشئ من ذلك في التفصيل ولا الإجمال ولكني أقول أن كان علي بن أبي طالب (ع) قصد بحرب عائشة وطلحة والزبير كف الفساد ومنع الفتنة في الأرض ودفعهم عن التغلب على الأمر والعدوان على العباد فإنه مصيب مأجور، وإن كان أراد بذلك الجبرية والاستبداد بالأمر بغير مشورة من العلماء بل ليتأمر على الناس بالقهر لهم على ذلك والأضرار فهو ضال مضل من أهل النار; قال وإنما قلت ذلك لخفاء الأمر لي فيه واستتار النيات في معناه واشتباه أسباب الباطل فيه باستتار الحق عند العقلاء
Page 26
قال وكذلك قولي في الفريق الآخر، أقول إن عايشة وطلحة والزبير إن كانوا قصدوا بقتالهم علي بن أبي طالب (ع) وأصحابه منعه من الاستبداد بالأمر من دون رضى العلماء به، وأرادوا الطلب بدم عثمان والاقتصاص له من ظالميه برد الأمر شورى ليختار المسلمون من يرون فهم بذلك هداة أبرار مستحقون للثواب وإن كانوا أرادوا بذلك الدنيا والعصبية والإفساد في الأمر وتولى الأمر بغير رضى العلماء فهم بذلك ضلال مستحقون اللعنة والخلود في النار غير أنه لا دليل لي على أعراضهم فيه ولا حجة تظهر في معناه من أعمالهم ولذلك وقف فيهم كما وقفت في علي وأصحابه كما بينت. وإن كان طلحة والزبير أحسن حالا من علي فيما أتاه.
. وقال هشام القوطي وصاحبه عباد بن سليمان الصيمري، وهذان الرجلان من أئمة المعتزلة أيضا أن عليا وطلحة والزبير وعائشة في جماعة من أتباع الفريقين كانوا على حق وهدى وصواب وكان الباقون من أصحابهم على ضلال وبوار وذلك أن عائشة وطلحة والزبير إنما خرجوا إلى البصرة لينظروا في دم عثمان ويأخذوا بثاره من ظالميه وأرادوا بذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطلبوا بوجه الله وخرج علي بن أبي طالب ليتفق معهم على الرأي والتدبير في مصالح الإسلام وأهله وكف السعي في الفتنة ومنع العامة مما ليس إليهم بل هو إلى وجوه العلماء وليقع التراضي بينهم على إنصاف واجتهاد في طلب الحق والاجتماع على الرأي فلما ترائى الجمعان تسرع غوغاؤهم إلى القتال فانتشبت الحرب بينهم على غير اختيار من القادة والرؤساء وخرج الأمر عن أيديهم في تلافي ذلك فكان من الاتباع الفتنة وسفك الدماء ما لم يؤثره علي وطلحة والزبير وعائشة ووجوه أصحابهم من الفضلاء فهلك بذلك الأتباع ونجا الرؤساء وهذا يشبه ما قدمنا حكايته عن بعض العامة من وجه يخالفه
Page 27