Al-Jalīs al-ṣāliḥ al-kāfī waʾl-anīs al-nāṣiḥ al-shāfī
الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي
Editor
عبد الكريم سامي الجندي
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى ١٤٢٦ هـ
Publication Year
٢٠٠٥ م
Publisher Location
بيروت - لبنان
Regions
•Iraq
Empires & Eras
Caliphs in Iraq, 132-656 / 749-1258
عَمَدْتَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُ مَالهم وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ فَهَدَمْتَ دَارَهُ وَأَخَذْتَ مَالَهُ وَعِيَالَهُ فَحَبَسْتَهُمْ، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَابْنِ لَهُ دَارَهُ وَارْدُدْ عَلَيْهِ عِيَالَهُ وَمَالَهُ، فَإِنِّي قَدْ أَجَرْتُهُ فَشَفِّعْنِي فِيهِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ زِيَادٌ: مِنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى الْحَسَنِ بن فَاطِمَةَ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَتَانِي كِتَابُكَ تَبْدَأُ فِيهِ بِنَفْسِكَ قَبْلِي، وَأَنْتَ طَالِبُ حاجةٍ، وَأَنَا سُلْطَانٌ وَأَنت سوقة، كَتَبْتَ إِلَيَّ فِي فاسقٍ لَا يُؤْوِيهِ إِلا مِثْلُهُ، وَشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ تُوَلِّيهِ أَبَاكَ وَإِيَّاكَ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ قَدْ أَوَيْتَهُ إِقَامَةً مِنْكَ عَلَى سُوءِ الرَّأْيِ وَرِضًى مِنْكَ بِذَلِكَ، وَايْمُ اللَّهِ لَا تَسْبِقُنِي بِهِ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَ جِلْدِكَ وَلَحْمِكَ وَإِنْ نِلْتَ بَعْضَكَ غَيْرَ رفيقٍ بِكَ وَلا مرعٍ عَلَيْكَ، فَإِنَّ أَحَبَّ لحمٍ إِلَيَّ آكُلُهُ لَلَحْمُ الَّذِي أَنْتَ مِنْهُ، فَأَسْلِمْهُ بِجَرِيرَتِهِ إِلَى مَنْ هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْكَ، فَإِنْ عَفَوْتُ عَنْهُ لَمْ أَكُنْ شَفَّعْتُكَ فِيهِ، وَإِنْ قَتَلْتُهُ لَمْ أَقْتُلْهُ إِلا لِحُبِّهِ إِيَّاكَ.
فَلمَّا قَرَأَ الْحَسَنُ ﵇ الْكِتَابَ تَبَسَّمَ وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يَذْكُرُ لَهُ حَالَ ابْنِ سَرْحٍ وَكِتَابَهُ إِلَى زِيَادٍ فِيهِ وَإِجَابَةَ زيادٍ إِيَّاهُ، وَلَفَّ كِتَابَهُ فِي كِتَابِهِ وَبَعَثَ بِهِ إِلَى مُعَاوِيَةَ. وَكَتَبَ الْحَسَنُ إِلَى زِيَاد: من الْحسن بن فَاطِمَةَ ﵉ إِلَى زِيَادِ بن سميَّة: الْوَلَد للْفراش واللعاهر الْحَجَرُ. فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُ الْحَسَنِ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَقَرَأَ مُعَاوِيَةُ الْكِتَابَ ضَاقَتْ بِهِ الشَّامُ، وَكَتَبَ إِلَى زيادٍ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ بَعَثَ بِكِتَابِكَ إِلَى جَوَابِ كِتَابِهِ إِلَيْكَ فِي ابْنِ سَرْحٍ، فَأَكْثَرْتُ التَّعَجُّبَ مِنْكَ، وَعَلِمْتُ أَنَّ لَكَ رَأْيَيْنِ: أَحَدُهُمَا مِنْ أَبِي سُفْيَانَ وَالآخَرُ مِنْ سُمَيَّةَ، فَأَمَّا الَّذِي مِنْ أَبِي سُفْيَانَ فَحِلْمٌ وَحَزْمٌ. وَأَمَّا رَأْيُكَ مِنْ سُمَيَّةَ فَمَا يَكُونُ رَأْيُ مِثْلِهَا؟ وَمِنْ ذَلِكَ كِتَابُكَ إِلَى الْحَسَنِ تَشْتُمُ أَبَاهُ وَتُعَرِّضُ لَهُ بِالْفِسْقِ، وَلَعَمْرِي لأَنْتَ أَوْلَى بِالْفِسْقِ مِنَ الْحَسَنِ، وَلأَبُوكَ إِذْ كُنْتَ تُنْسَبُ إِلَى عبيدٍ أَوْلَى بِالْفِسْقِ مِنْ أَبِيهِ، وَإِنَّ الْحَسَنَ بَدَأَ بِنَفْسِهِ ارْتِفَاعًا عَلَيْكَ وَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَضَعْكَ.
وَأَمَّا تَرْكُكَ تَشْفِيعِهِ فِيمَا شَفَعَ فِيهِ إِلَيْكَ فَحَظٌّ دَفَعْتَهُ عَن نَفسك إِلَى مَنْ هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْكَ، فَإِذَا قَدِمَ عَلَيْكَ كِتَابِي هَذَا فَخَلِّ مَا فِي يَدَيْكَ لِسَعِيدِ بْنِ سَرْحٍ، وَابْنِ لَهُ دَارَهُ، وَلا تَعَرَّضْ لَهُ، وَارْدُدْ عَلَيْهِ مَالَهُ، فَقَدْ كَتَبْتُ إِلَى الْحَسَنِ أَنْ يُخَيِّرَ صَاحِبَهُ إِنْ شَاءَ أَقَامَ عِنْدَهُ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ، وَلَيْسَ لَكَ عَلَيْهِ سُلْطَانٌ بيدٍ وَلا لسانٍ. وَأَمَّا كِتَابُكَ إِلَى الْحَسَنِ بِاسْمِهِ وَلا تَنْسُبُهُ إِلَى أَبِيهِ فَإِنَّ الْحَسَنَ وَيْلَكَ مِمَّنْ لَا يُرْمَى بِهِ الرَّجَوَانِ، أَفَإِلَى أُمِّهِ وَكَلْتَهُ لَا أُمَّ لَكَ، هِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَفْخَرُ لَهُ إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ؛ وَكَتَبَ فِي أَسْفَلِ الْكِتَابِ:
تَدَارَكْ مَا ضَيَّعْتَ مِنْ بَعْدِ جرأةٍ ... وَأَنْتَ أَرِيبٌ بِالأُمُورِ خَبِيرُ
أَمَا حَسَنٌ بِابْنِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ ... إِذَا سَارَ سَارَ الْمَوْتُ حَيْثُ يسير
وَهل يلد الرِّئْبَالُ إِلا نَظِيرَهُ ... فَذَا حَسَنٌ شِبْهٌ لَهُ وَنَظِيرُ
قَالَ الْقَاضِي: الرِّئْبَالُ وَلَدُ الأَسَدِ.
وَلَكِنَّهُ لَوْ يُوزن الْحلم الحجى ... بِرَأْيٍ لَقَالُوا فَاعْلَمَنَّ ثَبِيرُ
1 / 495