662

ومما تطالع به العلوم الكريمة، أنه لما اشتدت الأمور، وخيف تفاقم الشرور، بكثرة إغراء الأخصام لمن ذكر من الألداء اللئام خيل العبد بما أصغت إليه القلوب، وارتسم في دواخل العقول، غير أني كنت كما نصبت خالا زاد الخبيث له مالا، إلى أن نابذ العقل كما نابذ الدين، وزاحم ياسيه بن بحراته ابن أبي العشرين، فخفت العواقب، فعطفت الأطماع ببعض ما جبلت على محبة الطباع، حتى تم الأمر، وخمد الشر، فمولانا يهون عليه ذلك إن امتطى الرتب العوالي، استهدف لحساده، ومن استهدف لهم رشقوه، وإنما يصاب الأمثل فالأمثل، وإصابة في المجن أولى من إصابة في الجسم، وإصابة في الجسم أولى من إصابة في العرض، وإصابة في العرض أولى من إصابة في الدين، فالمخدوم لم يصب إلا في المجن، وراميه قد أصيب في جميع ما ذكر مع خيبة المسعى، وسوء الذكر والثناء، وهذا مستوجب للسماح والحمد لله على الصلاح، والفوز بالنجاح مع أن العبد لم يعين شيئا أصلا ولا شرح فيه بابا ولا فصلا، ولكن لما قيل: إن الأطماع تعلقت ببعض المتاع، قال: إن قاضي القضاة رأس العارفين، ومثله لا يدل على صواب، والعبد يكاتبه بجميع ما وقع، وأما أنتم فلا تكتبوا له إلا ما يليق بجنابه، من حسن الثناء وما يقتضيه حاله من المجد والعلا، ولم يزل العبد شديد الكرب من لهب الحرب، حتى تواتر قدوم أكابر الشاميين فصدقوا مقالات العبد عند من لم يكن يعرف المخدوم، وحققوا ما كان ذكر لهم من صفاته التي هي في هدايتها ومكنتها كالنجوم، وتسابقوا في فداء ذاك الجمال من الأهوال والأوحال، بالأنفس والأموال والأولاد والآل، وكل نفيس غال، فقويت إذا عصبة الإيمان، وضعف كيد الشيطان { إن كيد الشيطان كان ضعيفا }[النساء:76]، ورجع حاملها أبيض الوجه، قرير العين، بعيد الصوت، قويم الصوب عالي القدر، نابه الذكر، باذخ المجد، ظاهر الرشد، فلله دره تركيا عربيا شاميا مصريا، نصوحا مرضيا.

وفي يوم الأحد رابع جمادى الأولى من سنة ثلاث وستين هذه، وصل القاضي محب الدين أبو المعالي بن الشحنة إلى القاهرة وقت الصلاة، فصلى في جامع الحاكم، ثم ذهب إلى بيت قراجا بالقرب من جامع الأزهر، وكان قد أخلي له، فنزل فيه، ثم طلع بكرة السبت خامسه إلى القلعة، فسلم على السلطان فأحسن تلقيه، وخلع عليه، وارتجت البلد له، وزلزل الأعيان زلزالا شديدا.

وفي هذا الشهر، رسم بإحضار أبي الخير النحاس ثم رد القاصد غير مرة.

Page 41