Iẓhār al-ʿAṣr li-Asrār Ahl al-ʿAṣr
Izhar al-ʿAsr li-Asrar Ahl al-ʿAsr
وفي صبح يوم الأحد خامس عشري هذا الشهر، سافرت إلى ناحية الغربية، فكانت فرسي ترقص وتتوثب ، وكنت أرجو أن تترك ذلك إذا تعبت، فاستمر ذلك دأبها إلى أن تعالى النهار، وجاوزنا مدينة قليوب، بمقدار كبير، ونزلنا فتغدينا، ثم ركبتها فإذا هي على عادتها أو أشد فوصلت إلى أرض وطية فسقتها إرادة تهذيبها، وكان لها شهران لم تنعل، وكنت أمرت الغلام بإنعالها، قبل السفر فلم يفعل، وكانت إذا طال حافرها تعثر كثيرا فأنساني الله ذلك، لأمر أراده، وكانت سريعة الجري، بحيث أنها إذا حميت لا أثبت الأرض إثباتا جيدا فمرت مقدارا كبيرا وكأنها جاوزت تلك الأرض إلى أرض صعبة كثيرة الشقوق وعرة، فأرادت الوقوف، فظننت أنها إلى الآن لم تتهذب، فضربتها بالمهاميز وصحت عليها، وأرخيت لجامها، وإذا قضى الله أمرا فلا مرد له، فبذلت جهدها إلى أن كانت كالطائر، ثم عثرت، فأقمتها باللجام، ثم عثرت أخرى قوية، أخبرني رفاقي أنها في جورة؛ فانقلعت من السرج بقوة عظيمة، فظننت، وأنا نازل أن رأسها وصل إلى الأرض، وأنها تتقلب علي، فيقطع السرج ظهري، فأول ما وصل إلى الأرض رأسي من الجانب الأيمن فانجرحت من لساني إلى أعلى ذلك، انشق من رأسي عشر جراحات أبلغها في لساني وشفتي العليا وحول عيني، وانخلع من أسناني ثنية وراضع، وأغمى علي، ووقفت الفرس بجانبي، وكانت عربية، فلم تتحرك واستمر لجامها في يدي، وانشق الكمر الأعلى من لبسي نحو ذراع عرضها، والذي تحته نحو شبر، وتخرقت رجل السراويل اليمنى، وانقطع الخنجر مع إن سيره أعرض من إصبعين، وانشطت قبيعته وهي نحاس، وأخبرني أصحابي أنهم أدركوني وأنا معتمد على يدي أريد القيام فلا أستطيع، فأقاموني، فأفقت بعض الإفاقة، بحيث كنت في تخيلي كالنائم يحلم، ثم نحوني عن الطريق وأضجعوني حتى رجع إلي عقلي بعد قليل وقد تيقنت ذهاب سني فخطر في بالي أني كنت أرجو: يا رب أن لا تفض فمي فتنقص فصاحتي إذا قرأت حديث رسولك، ثم أقمتها بلساني، وغلب على ظني أن عيني زالت لما كان عليها من الدماء من الجراحات التي حولها فاجتهدت إلى أن فتحتها فرأيت النور، فكأنه لم تصبني مصيبة، وزاد شكري لله وثنائي عليه، بما حمل عني، ثم أنست من نفسي قوة، فأردت القيام، فلم أستطع، كأن رأسي لا يحملني، فأرجف فأضطجع، ولم أزل أفعل ذلك إلى أن أدركت من نفسي الثبوت على الفرس، فأمرتهم، فأركبوني وأرادوا الرجوع بي، فمنعتهم وكان يوما شديد الحر، والهواء الحار، فقالوا: إن هذا الحر والهواء يورم الجراحات، وربما يتلف ذلك، فقلت: الموت لا بد منهن ولا يزيد رجوعي في عمري شيئا، واستمريت على عزيمتي، وأنا مسند سني بلساني إلى أن عديت في معدية دجوه، وأنا راكب، فلما نزلنا في ذلك الجانب الغربي نزلت عن الفرس، وتوضأت وصليت الظهر والعصر [قصرا] وجمعا بالإيماء، لم أستطع إيصال رأسي إلى الأرض، كنت أحس أن رأسي كالبيضة المذره، وأن مخه يتحرك، وينزل من أنفي الدم، ثم نمت نومة حسنة، حصل لي بها راحة، ثم ركبت ، وأنا لا أعرف أين أنزل، ولا اعتماد لي على غير الله، فأدركنا المساء عند مدينة مليج فقال لي بعض من رافقنا في الطريق: انزل هنا. فقلت: على من؟ فقال: على شيخ العرب. فقلت: ومن هو؟ فقال: غيث بن نصير الدين. وكنت أسمع الناس يثنون عليه، وكان حصل بينهم وبينه اجتماع خفيف حين كنا في مولد طنتتا، فملت إليه، فتلقاني أحسن تلقي، وكان عنده فقهاء، فأخبروه ما سمعوا من ثناء الناس علي، ثم كلموني في العلم، فتكلمت معهم على عسر الكلام علي، فزاد اعتقاده في، وزاد في إكرامي، ثم أردت أسافر عنه في اليوم الثاني، فرأى ما حصل لوجهي من الورم من الشمس والهواء فقال: إن سافرت انتشر الورم ومت، ثم حلف علي أن لا أسافر، وطلب جرائحيا، فألصق على جراحاتي ما يليق بها.
Page 183