Iẓhār al-ʿAṣr li-Asrār Ahl al-ʿAṣr
Izhar al-ʿAsr li-Asrar Ahl al-ʿAsr
وفي يوم الأحد تاسع عشري شهر ربيع الآخر المذكور مات القاضي ناصر الدين محمد بن المخلطة، أحد أعيان نواب المالكية، وناظر المرستان المنصوري عن نيف وستين سنة، وصلى عليه قاضي الشافعية العلم البلقيني في باب النصر، وحضر جنازته القضاة الأربعة، وأعيان الناس، ولم يكن له يد في علم من العلوم، وكان من قضاة السوء، لا يحتشم من التصريح بأخذ الرشوة على القضاء، مع نسبته إلى أمور غير ذلك، مما يخل بالديانة والمروءة، وعشق لأذى الناس والتهكم بهم، وهبت يوم موته ريح شديدة حارة نسفت التراب والرمل، فأظلم لها الجو واشتد بها أذى الناس، لاسيما من حضر جنازته، ولم يكن مثلها في يوم موت أحد فيما شاهدناه، إلا ما كان يوم موت البدر الأسيوطي، كما تقدم، فقال بعض الفضلاء: هذه تشبه ما اتفق في غزوة بني المصطلق من الريح التي هالت الصحابة رضي الله عنهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أنها هبت لموت عظيم من المنافقين. وخلف ولده القاضي بدر الدين، من فضلاء المالكية وعقلائهم، وسعى الناس في نظر المرستان بالمال، حتى بذل بعضهم للسلطان نفسه ألف دينار، فأبى، وولاها للقاضي جلال الدين عبد الرحمن بن القاضي نور الدين على بن شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن الملقن من غير سعي منه، بل لصحبة له بالسلطان قديمة، فحمد الناس له ذلك، وأطبقوا على مدحه به، وعظم سرورهم؛ لعقل ابن الملقن الوافر، ودينه المتين، وحشمته الكبيرة، وخلع عليه بذلك يوم الثلاثاء مستهل جمادى الأولى، ونزل بالخلعة إلى المرستان، والقضاة معه ونوابهم وغيرهم من أحبابه، فكان له موكب جليل، وعدها الناس نعمتين، موت ذاك، وولاية هذا، نسأل الله له التوفيق والمعونة. وكان قاضي المالكية الولي السنباطي خائفا من أن يعزل بابن المخلطة، فلما طلع في هذا اليوم لتهنئة السلطان بالشهر طلع من باب القلعة ماشيا على عادته وطلع الشافعي والحنفي راكبين إلى باب القلعة على ما استمر لهما من العادة، فتمارض المالكي في هذا اليوم، وأظهر ضعفا كبيرا، فلما هنأوا ابن السلطان وكان نازلا في أقصى الحوش، وطلب القاضيان بغلتيهما ليركبان من عند باب الدهيشة، طلب المالكي بغلته فركب معهما، ولم يبق فيهما ماشيا إلا الحنبلي، وهو العز أحمد بن نصر الله الكناني.
Page 40