220

وفي ليلة الخميس سابع جمادى الأولى المذكور، مات قاضي القضاة بدر الدين محمد بن المحب محمد بن البغدادي الحنبلي، عن نحو ستين سنة بعلة طويلة، كان ابتداؤها حمى بلغمية، وصل في آخرها إلى الصرع، فغاب أربعة أيام إلى أن مات في الليلة المذكورة، وصلى عليه من الغد أمير المؤمنين القائم بأمر الله أبو البقاء حمزة، وكانت جنازته حافلة بالقضاة، والمشائخ، والمباشرين، وغيرهم، وكان من أفراد الزمان، شهامة، وحلما، وعلو همة، ومعرفة، ودهاء، وخبرة بأبناء الزمان، وما يليق بكل واحد منهم، من المقال والفعال، فكانت كلمته لا ترد عند سلطان ولا غيره، من حين ولي القضاء، وإلى أن مات، لكنه كان ألكن جدا، قليل البضاعة في الفقه، عريا عن غيره، أعور بشع المنظر، أحص اللحية، أصفر اللون إلى كدرة، طويلا سمينا بترهل، وله في كلامه الناشئ عن تفاصحه، مع لكنته، وقلة علمه غرائب، لو حفظت لكانت كثيرة، منها: أني سمعته يعبر عن الفقرة (إحدى السجعات) بالقفرة (بقاف، ثم فا)، ونشأ مبذول النفس، غير نقي العرض، ثم استمر يشهر بذلك، بعد أن كبر، وولي القضاء، بحيث أخبرت بذلك من جهات شهيرة، منها: سند متصل متحف بقرائن تدل على صحته، وكان عنده عقل ودهاء، فجرد نفسه من حظها، ونظر في أحواله، فعلم هذه النقائص، ولم يعمه حب نفسه عنها، وعلم أن الناس عالمون بها، وهو يعلم من نفسه كثيرا مما لا يطلع عليه إلا الأفراد، فأراد سترها، فسعى في ذلك بكثرة التودد بالبشاشة، والمساعدة في مهمات الضرورات، ويجري في الأكابر مجرى الدم، فكانوا يعطونه من أموالهم فيتصدق على المحاويج، ويعود المرضى، ويشهد الجنائز، ويوافي القادمين من الأسفار، ويودع المسافرين، ويحمل عن كل ذي مصيبة، ويحمل عن الجانين، بل ويحسن إليهم، ولم يزل على ذلك، حتى قطع بسبقه وأيس من لحاقه.

وسترت هذه العيوب، حتى لا يتفوه بها، بل ونطق الناس بمدحه، وأنه فرد الزمان وعزيز مصر عن لسان واحد، لكن لما كان القصد بها الرواج الدنيوي وتمشية الحال، كان كما قال الله تعالى : {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد}[الإسراء:18]، فلم تتجاوز حياته، نطق أكثر الناس بذمه بعد موته حتى يوم مات، وتناقلوا معايبه، وأظهروا السرور بموته.

ولاية القاضي عز الدين قضاء الحنابلة:

Page 356