Kitāb al-istighātha

كتاب الاستغاثة

بسم الله الرحمن الرحيم

وأما ما ذكره من تأويل الحديث فهو من جنس دين النصاري لا من جنس دين المسلمين وبيان ذلك من وجوه

الأول قوله إن الله تعالى لتشريف رسوله والمقربين عنده خاطبهم تارة بتنزيلهم منزلة نفسه في الأفعال وتارة نزل نفسه منزلتهم في الأفعال والأوصاف وكلاهما تشريف عظيم

فيقال هذا كذب على الله وشرك به وهو من جنس أقوال أهل الحلول والاتحاد فليس في خطاب الله المطلق تنزيل أحد منزلة نفسه في الأفعال ولا تنزيل نفسه في الأفعال والأوصاف منزلتهم بل هو إله واحد لا شريك له وكل من في السماوات والأرض آتيه عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا

Page 313

ومن قال إن الرب عز وجل ينزل المخلوق منزلة نفسه في الأفعال أو ينزل هو منزلة المخلوق في الأفعال والأوصاف فقد زعم أن الله سبحانه يجعل له ندا وأنه يقيم المخلوق مقامه في الخلق والرزق والإحياء والإماتة وإجابة الدعاء وكونه معبودا وأنه يقوم مقام العبد في الصلاة والصيام والطواف وغير ذلك من أفعال العباد تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا قال تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون}

Page 314

ومن أخص أوصاف الرب القدرة على الخلق والاختراع فليس ذلك لغيره أصلا حتى إن كثيرا من النظار المثبتين للقدر كالأشعري وغيره جعلوا هذا أخص وصف للرب تعالى كما جعل الجبائي وغيره من المعتزلة أخص وصفه القدم

ومقصود المعتزلة أن لا يثبتوا له صفة قديمة لامتناع المشاركة في أخص وصفه ومقصود أولئك المثبتين أن لا يشركه غيره في الخلق وقد يقولون لا يشركه غيره في الفعل وهو قول من يقول العبد فاعل مجازا لا حقيقة وهو كاسب حقيقة كما هو قول الأشعري ومن وافقه من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وهو في الأصل قول جهم بن صفوان وهو أول من عرف في الإسلام أنه قال إن العبد ليس بفاعل لكن جمهور أهل السنة من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم يقولون إنه فاعل حقيقة وجمهور هؤلاء يقولون إن فعله مفعول للرب بناء على أن الخلق غير المخلوق كما هو قول الأكثرين وهو مذهب السلف وأهل الحديث والفقهاء

وأما من قال إن الفعل هو المفعول وإن فعل العبد فعل الرب ولم يفرق بين الفعل والمفعول فيلزمه لوازم تبطل قوله كما قد بسط في غير هذا الموضع وبين أن القدرة على الاختراع من خصائص الرب وأخص وصف الرب ليس هو صفة واحدة بل علمه بكل شيء من خصائصه وقدرته على كل شيء من خصائصه وخلقه لكل شيء من خصائصه

Page 315

والمقصود هنا الكلام على قول هذا الرجل الذي ضاهى المشركين الحلولية من النصارى وغالية الشيعة وجهال الصوفية حيث قال إن الله تعالى ينزل المقربين منزلة نفسه تارة وينزل نفسه منزلتهم في الأفعال والأوصاف تارة فإن هذا كلام مخالف لدين المسلمين وسنبين جهله وخطأه فيما تأوله على ذلك من القرآن والحديث فنقول

أما قوله تعالى {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما} فليس فيها أن نفس الفعل القائم بالرسول ومخاطبته لهم ومد يده لمبايعتهم هو نفس فعل الله ومخاطبته ومبايعته بل فيها أن من بايع الرسول فقد بايع الله كما قال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح «من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد عصاني»

Page 316

فطاعة أميره طاعته ومعصية أميره معصيته لأنه أمر بطاعته فمن أطاعه أطاع الله لأن الله أمر بامتثال ما أمر به لأن أمره من أمر الله لا أن نفس الفعل القائم بأميره نفس فعله ولا نفس فعله هو نفس فعل الرب تعالى

Page 317

واعلم أن من قال من النظار إن أفعال العباد كلها فعل الله فلا فرق عندهم بين أفعال المؤمنين والكفار والبهائم وحركات الجمادات فإن مرادهم أن كل ما سوى الله فهو فعله أي مفعوله وعلى قول هؤلاء فلا فرق بين فعل الرسول وغيره وليس في كون الله خالقا لشيء تفضيل لذلك المخلوق على غيره فإن الله خالق كل شيء

كذلك على قول الجهور الذين يقولون إن أفعال العباد مفعولة له مخلوقه له ليست فعله بل هي فعل الفاعلين والله تعالى خالق الفاعل وفعله فعلى القولين لا فضيلة في ذلك لمخلوق على مخلوق فلا تظن أن في هذا تشريفا لمقرب ولا رسول ولا غيره

Page 318

وهذا ما يبين به خطأ هؤلاء الجهال الذين لا يفرقون بين ما خلقه وقدره وما أمر به وفرضه فجعل الله تعالى مبايعة الرسول مبايعة الله وطاعة الرسول طاعة الله ليس من جهة خلق الله أفعال العباد والقيومية الشاملة للمخلوقات فإن كونه خالقا لكل شيء وكونها بمشيئته وقدرته ليس فيها تفضيل مخلوق على مخلوق إذ التفضيل إنما يكون بما به الاختصاص لا بما يشترك الجميع فيه

ومن جعل مبايعة الرسول مبايعة لله لأجل أن الله خالق كل شيء نظرا منه إلى القيومية الشاملة لكل مخلوق لزمه أن يكون من بايع الكفار والفساق مبايعا لله لأن الله خالق كل شيء فيكون هؤلاء قد جعلوا مبايعة خاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليه كمبايعة فرعون وأمثاله من المشركين وهذا يقع فيه كثير ممن يلحظ القيومية الشاملة العامة المتناولة لكل مخلوق وهؤلاء من أكفر الخلق ويجعلون هذا منافيا للأمر والنهي وهم من جنس الذين قالوا {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} إلى قوله {قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن}

Page 319

وكذلك هؤلاء إنما يتبعون أهواءهم ولا يتكلمون بعلم فإن قولهم في غاية المناقضة فإن الواحد من هؤلاء إذا آذاه غيره أو ظلمه قابله وعاقبة ولا يمكنه أن يعذره بالقدر ومشاهدة القيومية كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع

وجهة تفضيل الرسول صلى الله عليه وسلم من جهة كون الله تعالى أرسله مبلغا لأمره ونهيه مبينا لما يحبه ويرضاه وما يبغضه ويسخطه فما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم فالله أمر به وما نهى عنه فالله نهى عنه ومن بايعه وعاهده وعاقده على أن يطيعه في الجهاد إذا أمره به وأن لا يفر أو على أن يقابل حتى يموت كما بايعه المسلمون تحت الشجرة فهم معاهدون الله تعالى معاقدون له على طاعته فيا أطاعوا فيه الرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك الذين بايعوه قبل ذلك ليلة العقبة لما بايعه الأنصار ولهذا قال تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا}

Page 320

فسمعهم وطاعتهم لا أمرهم ومعاهدتهم على ذلك هو سمع وطاعة لله تعالى ومعاهدة له وعهد الله إلى خلقه وهو أمره ونهيه الذي بلغته رسله والتخصيص والتفضيل يظهر في الوفاء به ومتابعة الرسل ولهذا قال تعالى: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} أي أوفوا بأمري أوف بوعدكم الذي وعدتكم على الوفاء به فإن المبايعة والمعاهدة تتضمن المعاوضة من الجانبين فهم إذا أوفوا بما عاهدوا الله عليه من الطاعة وفي الله تعالى بما عاهد عليه من الأجر والثواب كما قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم اشترط لربك ولنفسك ولأصحابك فقال: «أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أبناءكم ونساءكم ولأصحابي أن تواسوهم» قالوا فإذا فعلنا ذلك فما لنا قال: «لكم الجنة» قالوا امدد يدك فوالله لا نقيلك ولا نستقيلك

Page 322

فهم لما عاهدوه على هذا ليطيعوه فيه قد عاهدوا ربه عز وجل الذي أمرهم بذلك والله تعالى هو الذي يوفي بعهدهم فيدخلهم الجنة

وفي الحديث الصحيح عن شداد بن أوس عن النبي أنه قال: «سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها حين يصبح موقنا بها فمات من يومه دخل الجنة ومن قالها حين يمسي موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة»

Page 323