1213
الأب يهمل الأسرة ويخرج مع جماعة التبليغ
[السُّؤَالُ]
ـ[ما حكم الوالد الذي يهمل في أسرته ولا ينفق على أسرته ويتلقى إعانات البطالة وهو يوفر هذه الأموال أما ما تحصل عليه أمي من رعاية الأطفال فينفق على الأساسيات مثل الطعام. فهل غضب أبي علي بسبب المال ولا يتكلم معي إثم علي وهل علي إثم إذا تكلمت مع أمي بدون أبي. أبي يقوم بالدعوة مع جماعات التبليغ ولكنه ليس لديه مسؤولية نحو الأسرة فهل كان الصحابة يفعلون ذلك يتركون أبناءهم ويخرجون للدعوة؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
لا شك أن سبب هذه المشكلة وما شاكلها، الجهل بكثير من أحكام الشرع، وعدم فقه المرء ما يلزمه تجاه من يعول، وما أوجبه الله تعالى عليه من الحقوق والواجبات نحو أسرته.
وإن من أعظم حقوق الزوجة والأولاد النفقة عليهم، بل إن من أعظم القرب والطاعات التي يعملها العبد، والنفقة تشمل: الطعام والشراب والملبس والمسكن، وسائر ما تحتاج إليه الزوجة والأولاد لإقامة المهجة، وقوام البدن.
وقد أخبر الله ﷿ أن الرجال هم المنفقون على النساء، ولذلك كانت لهم القوامة والفضل عليهن بسبب الإنفاق عليهن بالمهر والنفقة، فقال ﵎: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم)، وقد دل على وجوب هذه النفقة: الكتاب والسنة الصحيحة وإجماع أهل العلم والمعقول.
أما أدلة الكتاب: فمنها قوله تعالى: (لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله، لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرًا)، ومنها قوله تعالى: (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها)، ومنها قوله تعالى: (وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) .
وأما أدلة السنة، فقد وردت أحاديث كثيرة تفيد وجوب نفقة الزوج على أهله وعياله، ومن تحت ولايته، كما ثبت من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال في خطبة حجة الوداع: " اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن، وكسوتهن بالمعروف " رواه مسلم ٨/١٨٣.
وعن عمرو بن الأحوص ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع: " (ألا إن لكم على نسائكم حقًا، ولنسائكم عليكم حقًا، فأما حقكم على نسائكم، فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن) " رواه الترمذي ١١٦٣ وابن ماجه ١٨٥١.
وفي حديث معاوية بن حيدة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا علينا؟ قال: " أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تقبح الوجه، ولا تضرب " رواه أبو داود ٢/٢٤٤ وابن ماجه ١٨٥٠ وأحمد ٤/٤٤٦.
قال الإمام البغوي: قال الخطابي: في هذا إيجاب النفقة والكسوة لها، وهو على قدر وسع الزوج، وإذا جعله النبي ﷺ حقًا لها فهو لازم حضر أو غاب، فإن لم يجد في وقته كان دينا عليه كسائر الحقوق الواجبة، سواء فرض لها القاضي عليه أيام غيبته، أو لم يفرض. أ. هـ
وعن وهب قال: إن مولى لعبد الله بن عمرو قال له: إني أريد أن أقيم هذا الشهر هاهنا ببيت المقدس، فقال له: تركت لأهلك ما يقوتهم هذا الشهر؟ قال: لا، قال: فارجع إلى أهلك فاترك لهم ما يقوتهم، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت " رواه أحمد ٢/١٦٠ وأبو داود ١٦٩٢.
وأصله في مسلم ٢٤٥ بلفظ: " كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته ".
وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إن الله سائل كل راع عما استرعاه، أحفظ ذلك أم ضيع، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته " رواه ابن حبان.
وجاء من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " والله لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره، فيبيعه ويستغني به، ويتصدق منه خير له من أن يأتي رجلًا فيسأله، يؤتيه أو يمنعه، وذلك أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول " رواه مسلم ٣/٩٦. وفي رواية عند أحمد ٢/٥٢٤: فقيل: من أعول يا رسول الله؟ قال: امرأتك ممن تعول ".
وفي حديث جابر بن سمرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إذا أعطى الله أحدكم خيرًا فليبدأ بنفسه وأهل بيته " رواه مسلم ١٤٥٤.
وأما إجماع أهل العلم:
فقال الإمام الموفق ابن قدامة ﵀ في المغني ٧/٥٦٤: اتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا بالغين إلا الناشز منهن ذكره ابن المنذر وغيره.
وما سبق من النصوص الشرعية تدل على وجوب نفقة الرجل على أهل بيته والقيام بمصالحهم ورعايتهم، وقد ثبت أحاديث متكاثرة عن النبي ﷺ تفيد فضل هذا وأنه من الأعمال الصالحة عند الله تعالى، كما جاء في حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إذا أنفق المسلم نفقة على أهله، وهو يحتسبها، كانت صدقة له " رواه البخاري ١/١٣٦.
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح ٩/٤٩٨: النفقة على الأهل واجبة بالإجماع، وإنما سماها الشارع صدقة خشية أن يظنوا أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه، وقد عرفوا ما في الصدقة من الأجر، فعرفهم أنها لهم صدقة حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل إلا بعد أن يكفوهم، ترغيبًا لهم في تقديم الصدقة الواجبة قبل صدقة التطوع أ. هـ
وفي حديث سعد بن مالك رضي الله عن أن النبي ﷺ قال له: " إنك مهما أنفقت على أهلك من نفقة فإنك تؤجر، حتى اللقمة تضعها ترفعها إلى في امرأتك " رواه البخاري ٣/١٦٤ ومسلم ١٦٢٨.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " دينار تنفقه في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة - أي في عتقها - ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك " رواه مسلم ٢/٦٩٢.
وجاء في حديث كعب بن عجرة ﵁ قال: مر على النبي ﷺ رجل، فرأى أصحابه من جلده ونشاطه ما أعجبهم، فقالوا: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله؟ قال رسول الله ﷺ: إن كان خرج يسعى على أولاده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياءً ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان " رواه الطبراني، صحيح الجامع ٢/٨.
وقد فقه السلف رحمه الله تعالى هذا الواجب حق الفهم، وكان نبراسًا في حياتهم العملية مع أهليهم، وما أعظم ما قال الإمام الرباني عبد الله بن المبارك ﵀ حيث قال: لا يقع موقع الكسب على شيء، ولا الجهاد في سبيل الله. السير: ٨/٣٩٩.
فلا يجوز لمسلم أن يضيّع أهله ولو زعم أنّه يُسافر في برّ وطاعة لأنّ تضييع الأهل وعدم الإنفاق عليهم حرام وقد تقدّمت نصيحة عبد الله بن عمرو لمن أراد أن يُقيم في بيت المقدس بأنّه يجب عليه أن يتدبّر أمر نفقة أهله أولا، فعليك أيها السائل أن تنصح والدك بمقتضى هذا الجواب وتبيّن له الأمر بلطف، وإذا قمت بسدّ الثغرة ومعالجة الإهمال الذي وقع فيه والدك وتعويض النّقص من مالك بحسب استطاعتك فلك أجر عظيم إن شاء الله، نسأل الله أن يصلح أحوال الجميع وصلى الله على نبينا محمد.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد

1 / 1212